بقلم: د. عطا الله أبو السبح
من أبشع أنواع الاستعمار هو الاستعمار الإسرائيلي ، لأنه استعمار إحلالي ، يطرد أهل الأرض ويأتي ( بقادمين جدد ) ليحلوا محلهم ، هكذا تعلمنا منذ أن كنا في الابتدائية وانغرزت في أدمغتنا كالمسمار مقولة عبد الناصر : (ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة) ، وكنا يافعين ، وما بين المرحلتين صدر الميثاق الفلسطيني بمواده الثلاثة والثلاثين، فقرأنا المادة السادسة ( اليهود الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى بدأ الغزو الصهيوني لها يعتبرون فلسطينيين ) وأما الغزاة فلا بد من طردهم بالكفاح المسلح لتحرير فلسطين ، وبالكفاح المسلح فقط.
وهذا ما جاء في المادة التاسعة بالنص ( الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين ، وهو بذلك استراتيجية وليس تكتيكاً) وتضيف المادة فوراً ( ويؤكد الشعب العربي الفلسطيني تصميمه المطلق، وعزمه الثابت على متابعة الكفاح المسلح ،والسير قدماً نحو الثورة الشعبية المسلحة لتحرير وطنه والعودة إليه ، وعن حقه في الحياة الطبيعية فيه، وممارسة حق تقرير مصيره فيه، والسيادة عليه ) ثم جرى بعد أوسلو إلغاء هاتين المادتين ، ليأتي عباس ليؤكد – في خطابه الأخير – على المقاومة الشعبية هي الطريق الوحيد ... وهنا أقف لأسأل : إن (إسرائيل) استعمار إحلالي .. فمتى خرج الاستعمار من بلد بالمقاومة الشعبية ؟؟
كيف الاستعمار الفرنسي ( الإحلالي ) من الجزائر ، هل كان ثوار الأوراس يقذفون الفرنسيين بالورود ، أم بأجسادهم المقنبلة ؟ وكيف خرجت أمريكا ( بجلالة قدرها ) من فيتنام ؟ هل كسر الجنرال جياب بندقيته بأمر من هوشي منه ، وأتى الجنرال ( شوار سكوف ) ليدرب قواته ليقمع كل حر فيتنامي يأبى الضيم والذل ؟
وهل خرج الإنجليز من عدن بالمقاومة الشعبية، أم خرج مذموماً مدحوراً تحت ضربات ثوار ظفار التي كانت تمزق وجوده ؟ وهل خرج الاستعمار الروسي من أفغانستان بالمقاومة الشعبية، أم بسيوف المجاهدين وعلى رأسهم عبد رب الرسول سياف ؟ وهل احتل اليهود يا عباس بلادنا بالمقاومة الشعبية، أم برصاص الأرجون وشتيرن والهاجناة واتسل وليحي ، ثم ديست كرامتنا وتمزق وطننا تحت بصاطير ( تساهل ) جيش الدفاع الإسرائيلي ؟ ثم هل توقف اليهود عن بناء ترسانتهم الحربية يوماً واحداً ؟ ثم يا عباس ، هل خرج الصليبيون من ( بلادنا )، أو التي كانت بلادنا بالمقاومة الشعبية ؟ وإلا فماذا تعني حطين في تاريخنا ؟ وماذا تعني ( عين جالوت ) التي ذبحت أعناق التتار بيد فارس كان مملوكاً اسمه سيف الدين قطز ؟ يا عباس ماذا تعني معركة ميسلون ، أما كانت الخنجر الذي وضع حدا للوجود الفرنسي على أرض سوريا ؟ ومن هو يوسف العظمة ؟ ومن هو سلطان باشا الأطرش ؟ ألا يمثل قائداً لثوار الجبل الذين مزقوا بإبائهم غرور باريس ؟
يا عباس من هو فرحان السعدي في تاريخنا ، وعز الدين القسام وحسن سلامة وخليل الوزير ؟ وماذا تعني عيلبون ، والقرنطل ، وماذا تعني دلال المغربي ؟ وماذا يعني ثابت ثابت، وفتحي الشقاقي ؟ وماذا يعني علي السويطي ؟؟ قل لي بربك ماذا فعل ستالين لصد النازيين عن بلاده ، ولماذا أخذت بطرسبرج اسم ستالينجراد ؟ ثم لماذا صار اسم سلمة (سلمة الباسلة) ؟
ستقول : ماذا فعل غاندي ؟ أقول : يا عباس إن مقاومة غاندي كانت فلسفة شاملة عنوانها ( العنزة والمغزل والإزار ) ، حتى داس بكل ذلك بلاط ( بكنغهام ) بعد أن نظم مسيرة الملح الشهيرة ، التي ضمت ملايين الهنود سارت مئات الأميال ، لتقول : بريطانيا العظمى ؛ لا نريد الملح الذي تأتين به للهند ، ونستطيع أن نستخرجه من بلادنا .. ثم كانت المقاطعة التامة لكل ما تنتجه بريطانيا ، وها هو غاندي الذي كان يخاطب الهنود: ' أيها الهنود لو خلقكم الله سلاحف، وتسلطتم على الجزر البريطانية لحملتموها إلى قاع البحر، ولو كنتم بعوضا، لطردتم الإنجليز بطنينكم من بلادكم ..
ولم يكسر غاندي بندقية مقاوم ، ورحلت بريطانيا عن أرض الهند ، وبعد أن قتل غاندي تولى القيادة من بعده جواهر لال نهرو ، ذلك العملاق الذي قاد مقاومة الهند بشموخ ، وقهر الاستعمار بالتحدي والإباء ، هو نفس السبيل الذي سلكه نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا ، و ديست العنصرية بأقدام الزنوج ، الذين كان يطلق عليهم ( العبيد ) .
هي إرادة الأحرار يا عباس، التي يفتقدها مشروعك المقاوم بالورد والأحضان والقبل ، ومشاركة الشاباك مؤتمرهم في هرتسيليا ، ويجب ألا يغيب عن بالك أبداً أن ( أمرك ) الذي تحرم به التعامل مع بضائع المستوطنات الإسرائيلية ( سيزعل ) كثيراً رجال ( البيزنس ) الذين يشكلون النواة الصلبة من حولك ، كما أن اتفاقية باريس التي كبلت بها الاقتصاد الفلسطيني بأصفاد الاقتصاد الإسرائيلي ، لن تستطيع الفكاك منها ، فهل يمكن لك أن تفلت منها ؟ لا أظن .. إذن ، فأتمنى عليك أن تعيد للمادة التاسعة من الميثاق الفلسطيني اعتبارها، أو أن تكون المهاتما غاندي بحق .. فهل هذا يمكن ؟؟ أرجو ألا أسمع كلمة ( مستحيل ) ..
