بقلم: ياسر الزعاترة
منذ أسابيع لم نسمع تصريحات وخطابات للرئيس الفلسطيني، ربما لأسباب صحية أو سياسية، وشخصياً لم أسمع خطابه الأخير الذي رفض خلاله عرض نتنياهو بدولة مؤقتة، ولا أعرف إن كان قد كرر ما أشار إليه مرات ومرات من قبول حماس بتلك الدولة، وبالطبع استناداً إلى قصة تفاهمات رفضتها حماس بشدة بين مندوبين أوروبيين وبين أحمد يوسف، أحد الشخصيات العاملة في حكومة الحركة في قطاع غزة. وسبب هذا التكرار هو خوف جماعة السلطة المزمن من منافسة حماس لهم في ذات المربع، مربع التفاوض والتنازلات.
بدأ حديث الدولة المؤقتة عملياً منذ كان شارون في المعارضة، أعني في العام 2000، عندما طرح برنامج 'الحل الانتقالي بعيد المدى' الذي يقوم على أساس دولة فلسطينية على ما يقرب من نصف الضفة الغربية لمدة 10 إلى 15 عاماً وربما أكثر، يُمتحن خلالها الإصرار الفلسطيني على السلام، وبعد ذلك يصار إلى الحديث في قضايا الوضع النهائي وعلى رأسها القدس واللاجئين والسيادة والمستوطنات (نوايا شارون كما يعكسها خطابه كانت تشير إلى تحويل المؤقت إلى دائم مع بعض التغييرات الطفيفة).
مع غياب شارون الذي أسس حزب 'كاديما' لتمرير المشروع لم يتنكر له فريق أولمرت - ليفني، بل واصل تحريكه على الأرض متزامنا مع مفاوضات هدفها تحقيق اتفاق نهائي مع محمود عباس بوصفه الزعيم الفلسطيني الأكثر 'مرونة' كما يقولون.
خلال الشهور الأخيرة حصل مشروع الدولة المؤقتة على زخم استثنائي، حيث عرضه نائب رئيس حزب كاديما 'الصقر' شاؤول موفاز، ثم كرره رئيس الدولة العبرية شمعون بيريز ووزير الدفاع إيهود باراك في عرض مشترك، وأخيراً نتنياهو خلال الأيام الأخيرة، مع أنه سبق أن عرضه بمسمىً أخر هو 'السلام الاقتصادي'، ودائماً بذات التفاصيل تقريباً، وهي دولة (بلا سيادة طبعاً) على حوالي نصف مساحة الضفة الغربية، أي ما يتركه الجدار منها.
يذكر أن إدارة جورج بوش وافقت في السابق على مشروع الدولة المؤقتة بوصفه المرحلة الثانية من مراحل خريطة الطريق بعد المرحلة الأولى المتمثلة في مكافحة 'الإرهاب' والتحريض، وذلك قبل دخولها في نوبة أمل بالتوصل إلى اتفاق نهائي في ظل المفاوضات المتواصلة بين أولمرت وعباس.
المثير في هذا الاتجاه هو استمرار رفض محمود عباس للمشروع، بينما يعرف الجميع أنه وافق على مشروع سلام فياض لما يسمى 'دولة الأمر الواقع' خلال عامين، والتي لا تختلف بحال عن الدولة المؤقتة، حتى لو وقع تسويقها تحت لافتة الذهاب إلى مجلس الأمن للحصول على اعتراف دولي، وهو اعتراف لا يغير في طبيعتها، مع العلم أن الفيتو الأميركي سيبقى قائماً إذا ما رأى الإسرائيليون ذلك.
ما ينكره محمود عباس وتؤكده الوقائع هو أن الدولة المؤقتة تتشكل على الأرض، وستكتمل فصولها نهاية العام القادم برعاية الجنرال دايتون وتوني بلير، حيث يرعى الأخير برنامجها الاقتصادي، بينما يرعى الأول عملية نقل السلطات الأمنية في المدن الفلسطينية إلى الأجهزة الأمنية للسلطة بعد إكماله تدريب ست من أصل عشر كتائب ينبغي أن تتسلم مهمات الأمن في سائر المدن، كما كان عليه الحال تقريباً قبل اندلاع انتفاضة الأقصى نهاية - أيلول 2000.
هذه هي الدولة المؤقتة التي تنمو أمام أعين هذا الفريق الفلسطيني الذي يرفضها في العلن ويكرسها في الواقع عبر إصراره على رفض المقاومة المسلحة ومضيه في برنامج خريطة الطريق (أشار نتنياهو إلى كونها المرحلة الثانية من خريطة الطريق).
أما الاحتمال الآخر فلا يقل بؤساً في واقع الحال، أعني التوصل إلى صفقه نهائية كتلك التي كانوا على وشك التوصل إليها مع أولمرت، ذلك أن الاعتقاد بأن بوسع عباس الحصول على أكثر مما عرض على ياسر عرفات في كامب ديفيد هو محض تحليق في عالم الخيال، اللهم إلا إذا وافق الإسرائيليون على منحه حصة ما في القدس الشرقية مع مناطق ضمت إلى القدس بعد احتلال 1967 مقابل تنازلات كبيرة في مسائل اللاجئين والسيادة والأرض والمستوطنات، والأهم في قضية الاعتراف بيهودية الدولة العبرية، ومن ثم عقد صفقة بخصوص فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948، وإن بالصيغة التي سبق أن تحدثت عنها تسيبي ليفني وبعدها العنصري ليبرمان، أي عبر تبادل مناطق تضم أكبر تجمعاتهم في المثلث للدولة العتيدة. وبذلك نكون أمام مسارين يزايد أحدهما في البؤس على الآخر.


