بقلم: د. عطا الله أبو السبح
يأتي ميتشيل إلى المنطقة ومعه طُعم جديد للسمكة الفلسطينية المصطادة فعلا ، وإن كان صائدها قد تركها تعوم، ولكن في بحره ، يأتي ميتشيل باثني عشر ضوءاً أخضر أضاءتها حكومة الكيان، لتضيء الطريق لعباس، ليرى الطعم فيبتلعه ، ليتسنى – بعد ذلك – لحكومة الكيان أن تأتي به إلى ( مائدة ) المفاوضات علنا ، رغم قناعة الجميع أنه لم يتركها ، وإن غاب عن مجال الكاميرات وعدساتها ، فشهادة لله بأن عباس في منتهى الوفاء لما عاهد عليه شارون وأولمرت ثم نتنياهو من تنسيق أمني ، ومطاردة حماس ( مجاهدين وأنصارا ومؤسسات ) كما أنه وفيّ جدا لما عاهد عليه المجتمع الدولي من محاربة المقاومة ، وإن لم يف له ذلك المجتمع بما وعده به في أنابوليس وشرم الشيخ من مليارات سال لها – يومها – لعابه ، أملا في أن يقضي الخمس والسبعين سنة ( الثانية ) وهو في عداد المليارديرات ، حتى وإن زحف إلى أطفال غزة الموت البطيء؛ جوعا ومرضا واختناقا بالزحام .
يأتي ميتشيل وليته ما جاء ، إذ مهدت لمجيئه عاصفة من التصريحات اليهودية بأن القدس هي العاصمة الأبدية لدولتهم ، واغتصبوا من أراضي الضفة الغربية آلاف الدونمات ، حتى لا يكاد يمر يوم جديد إلا على مزيد من ( الاغتصابات ).
يأتي ميتشيل بعيد أن فضحت تسيفي ليفني عباس بإعلانها عن قبوله لدولة بلا جيش !! إذ لم يكتف يهود بقبوله المبدئي بدولة منزوعة السلاح .
ويأتي وقد انفرد بالساحة الفلسطينية رجل أمريكا و(إسرائيل) سلام فياض ، خاصة بعد أن أثبت أنه رجل المرحلة القادمة بمشاركته ( الدنيئة ) في مؤتمر هرتسيليا الذي كرسه يهود هذا العام لمناقشة السياسة الأمنية الإسرائيلية ، وأدار جلساته ، وأشرف على بحوثه وأوراق عمله كل من: الموساد، والشين بيت ، وأمان ، كما أثبت أنه الأحق في قيادة الدولة العتيدة ، التي لا حدود لها ولا سيادة ولا اقتصاد ولا ثقافة ولا تاريخ، وليس عباس الذي لا ترى فيه (إسرائيل) إلا واجهة شوهاء للطرف الفلسطيني .
يأتي ميتشيل ولا يزال عباس يمثل العقبة الكؤود في طريق المصالحة الفلسطينية ، ويتزامن مجيئه مع أوائل تفعيل قرار نتنياهو بترحيل الفلسطينيين عن أرضهم ، ونزعهم من جذورهم ، ومع أوائل دوران البلدوزرات تجاه الأقصى لإحلال الهيكل محله ، بعد نجاح الكيان في بناء كنيس الخراب، ومع ثورة الأمعاء الخاوية لحوالي اثني عشر ألف أسير فلسطيني ، ومع تخمة غير مسبوقة في أرصدة حسابات المقربين من شركة ( سلام – عباس ) المتزامنة مع تفشي الفاقة في غزة ، ومع (الأمية ) التي تزحف على الآلاف من أطفالها ، نظرا لعدم وجود مدارس تؤويهم ( حسب جون جنج ) .
يأتي جورج ميتشيل ليقول لعباس : ارجع للمفاوضات ( علنا ) ومعي وعد لك باسم دولة ، ولو كانت مسخا ومسخرة ، ووعد بالإفراج عن ( قبضة ) من الأسرى الفتحاويين الذين أوشكوا على التحرر فعلا لاقتراب نهاية محكومياتهم ، أو أولئك الذين ثابوا وأنابوا وأبدوا الاستعداد المشفوع بأغلظ الأيمان ليكونن مع دايتون على الخير والشر ، وليس لديهم مانع في أن يكونوا منفذين لمخطط إفساد في جامعات غزة، رصد له ربع مليون دولار من قبل خلفاء رفيق الحسيني، وعرابي الإسقاط الأمني ( حسب بيان أجهزة أمن الجامعات – غزة ) وها هو يستقبله عباس باختطاف 16 من أنصار حماس وفصل مدرس عن عمله لانتمائه السياسي ، كما يستقبله الاحتلال بمزيد من إنذارات الهدم لبيوت فلسطينية حتى في نابلس.
وللأسف فإن ميتشيل لم يسمع منه أحد رفضا أو إنكارا لكل هذا الظلم ، ولا لذاك الإذلال والهوان الذي يغرق فيه عباس ، كما لم ير ذو بصر حديد على وجه ميتشيل ما ينم عن ضيق أو تبرم من تصرفات الكيان الحريص جدا على السلام ( حسب نتنياهو ) أو من تصرفات عباس الذي يفرط بالحد الأدنى من حقوق شعبه في أرضه، أو الدفاع عن نفسه، أو إطلاق سراح أسراه ، أو التمسك بعودة اللاجئين ....
إذن فيم يأتي ميتشيل ؟ بالتأكيد ليمكن شوكة الصنارة من سقف حلق السمكة ( السردين ) الفلسطينية التي تحمل اسما يجري على لسان الهوان والتنازل ، ليحملها – بعد ذلك – إلى المائدة والتي أوشكت على التمام ، ولم يبق إلا ...
فلا حياك الله يا ميتشيل، وقبح الله وجهك ومقدمك ، وقبح الله مستقبليك المذعنين لك.
وسؤال : أليس في الضفة من ( منتظر زيدي آخر ) ؟


