بقلم: مصطفى الصواف
السيد محمود عباس كعادته كان واضحا في خطابه الذي ألقاه أمام المجلس الثوري لحركة فتح التي يتزعمها، وعمل كل جهده على أن يكون أكثر وضوحا في تحديد برنامجه السياسي القائم على الاعتراف بـ(إسرائيل)، اعترافا 'كريستاليا' كما تحدث عن ذلك أحمد قريع في الجولة الأخيرة للحوار الذي جمعت فتح وحماس في القاهرة.
الرجل لم يكن حقيقة مخادعا، أو مضللا؛ بل أراد أن يضع النقاط على الحروف التي يؤمن بها، والتعبير عن قناعاته الشخصية وطريقة الحل الأمثل التي يراها للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، رغم مرور سبعة عشر عاما على التفاوض الذي يؤمن به دون نتائج، بل أتاح هذا الأسلوب للاحتلال الفرصة لاستهلاك الوقت لتنفيذ السياسة الإسرائيلية في تهويد القدس وبناء الاستيطان وفرض الوقائع على الأرض، ويريد أن يستمر على نفس المنهج، رغم الوضوح الإسرائيلي، لإتاحة مزيد من الفرص أمام (إسرائيل) لاستكمال مشروعها.
أبو مازن كان في خطابة واضحا عندما شخص المشكلة، وشخص الموقف الإسرائيلي، والعقبات التي تحول دون مشروعه للسلام القائم على شروط الرباعية الدولية، وخارطة الطريق، لأن حل الدولتين هو جزء من شروط الرباعية، وحل الدولتين هو اعتراف بـ(إسرائيل)، وهذه حقيقة كل مرة يؤكد عليها محمود عباس، وهذا ينفي حقيقة مقولته ( عاشت فلسطين ) التي ختم فيها كلمته، فلا ندري عن أي فلسطين يتحدث، هل هي فلسطين التي ولد في جزء منها( صفد )؟ أم فلسطين التي يقر فيها بالتنازل عنها والقبول بمبدأ التبادل للأراضي؟
محمود عباس كان واضحا عندما تحدث على أن (إسرائيل) لا تريد سلاما، وتواصل رفضها وقف الاستيطان، وهو يواصل التمسك بضرورة إنهاء الاستيطان، وفي نفس الوقت يواصل دعوة الإدارة الأمريكية التي تراجعت عن كل وعودها، شارحا أن الأمور دون تدخل أمريكي، أو حل أمريكي يفرض على الطرفين فعملية السلام ستنتهي بلا رجعة، وهذه دعوة واضحة للإدارة الأمريكية لفرض الحل للهروب من تحمل المسؤولية، ويبرر التنازل بالموقف الأمريكي المفروض على الطرفين والموقف العربي الداعم للطرف الفلسطيني، لأنه يحترم موقف إخوانه العرب، وذلك من خلال الدعوة المباشرة للإدارة الأمريكية بفرض الحل ، وذلك في قوله ' ...
إذن فإنه من واجبكم أن تحثوا الخطى للوصول نحو الحل، وأن تجدوا هذا الحل، طلبنا منهم أكثر من مرة أن يجدوا الحل، فهذه هي الشرعية الدولية وهذه هي القضايا وهذه هي رؤيتنا، وتفضلوا أوجدوا الحل'، ثم يتحدث أبو مازن عن القرار الفلسطيني المستقل ويبيع الشعب الفلسطيني أوهام استقلال القرار.
أبو مازن أيضا كان صريحا عندما رهن الحل والموقف إلى الإدارة الأمريكية والعربية، وكأن شعب فلسطين ومصلحته وحقوقه وثوابته تترك للهوى الأمريكي والعبث العربي، وهو بذلك يلقي بالمسئولية إلى أطراف دولية (أمريكا والرباعية) وأطراف عربية تحمل مشروعه السياسي القائم على الاعتراف (بإسرائيل)، والتنازل على أرض فلسطين وحقوق شعبها، وليس ذلك فحسب، فهو يريد من الكل الفلسطيني أن يسلك نفس الطريق الذي يسلكه رغم فشله، والتفاوض مع (إسرائيل) والعالم الظالم على أساس حل الدولتين، ويحاول أن يمارس نوعاً من الخداع بأن حماس قبلت حل الدولتين من مفهومه، هو والقائم على الاعتراف بدولة (إسرائيل) وهذا الذي ترفضه حماس ويعلمه العالم، كما يعلمه هو.
أما المصالحة التي أشبعها محمود عباس حديثا، فهو يريد مصالحة قائمة على شروط الرباعية الدولية ، لأنه يدعو إلى حل الدولتين، ومصالحة دون حل الدولتين، أو دون الاعتراف بـ(إسرائيل) لن تكون، تباكياً، وتحميل الغير مسؤولية الفشل، ودس قضية أطراف إقليمية، أو عربية، وهو يعلم علم اليقين وكذلك بعض الزعماء العرب أن المصالحة مرفوضة أمريكيا وأوروبيا ومن بعض الأطراف العربية إذا كانت قائمة على ثوابت وحقوق الشعب الفلسطيني، ولن يكون هناك مصالحة ما لم تعترف حماس وبقية القوى بـ(إسرائيل).
واضح أن أبا مازن يحاول استدرار العطف الإسرائيلي والدولي من خلال التحذير من خطورة المرحلة القادمة إذا فشل مشروع عباس السياسي، ورفض حل الدولتين، ويلمح بالحديث عن حل الدولة الواحدة، وهذا سيؤدي إلى إنهاء المشروع الإسرائيلي بيهودية الدولة.
ثم نختم بالوضوح الأخير من قبل محمود عباس في موضوع المقاومة التي يؤمن بها، وهي المقاومة السلمية، ورفضه للمقاومة المسلحة كطريق يمكن للفلسطينيين اعتماده إلى جانب الوسائل الأخرى عبر حثه الشعب الفلسطيني على التمسك بالمقاومة السلمية أو الشعبية التي حمل مؤتمر فتح عنوانها والابتعاد على العسكرة.
صحيح لم يأت خطاب عباس بجديد ، ولكن وضح مواقفه بجلاء، وأكد عليها، دون عبرة من السنوات الماضية، ولعل الجديد فقط هو دعوة الإدارة الأمريكية بصراحة إلى فرض الحل.


