الأربعاء 07 يناير 2026 الساعة 03:43 ص

مقالات وآراء

أي سيناريو تحمل عودة ميتشل للمنطقة؟

حجم الخط

بقلم: مصطفى الصواف

 

عاد جورج ميتشل إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد جدل على عودته، خاصة في ظل الموقف الإسرائيلي الرافض لوقف الاستيطان في القدس، أو الضفة الغربية، وفي ظل تمنع (إسرائيل) من الرد على الأسئلة الأمريكية أو تسليمه لها، وإن كشفت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية أن من ضمن الردود رفض فكرة وقف الاستيطان في مدينة القدس، باعتبار أنها لا تقع ضمن نطاق الضفة الغربية المحتلة، واعتبارها جزءاً أساساً من أرض (إسرائيل)، ولا ينطبق عليها ما ينطبق على الضفة الغربية.

 

كذلك يعود ميتشل إلى المنطقة والموقف الفلسطيني يراوح مكانه، ولا جديد غير مزيد من التردي، واستمرار الانقسام، وتمادٍ في تنفيذ خطة خارطة الطريق في شقها الأمني، مصاحب لحالة من السباحة في الهواء، واستمرار في الاستيطان، وسط قرار التهجير من الضفة الغربية إلى قطاع غزة، والذي يشتم منه رائحة التواطؤ من حكومة رام الله على إغراق قطاع غزة بمزيد من الإشكاليات، وأن قرار إبعاد سكان غزة، أو من يحمل هويتها، أو ولد من أبوين غزيين وغيرها من الأمور المتعلقة بالقرار العسكري الإسرائيلي، متفق عليه بين الجانبين لتحقيق مصلحة مشتركة تهدف إلى العمل على إرباك حركة حماس من خلال الدفع بهذه الآلاف من المواطنين الذي يشكلون عبئاً على حكومة رام الله، إلى جانب أن (إسرائيل) ترى فيهم خطراً مستقبلياً على أمنها، خاصة أن الضفة الغربية تعيش على صفيح ساخن، ويُخشى أن تشهد انفجاراً لانتفاضة ثالثة، يعتقد الإسرائيليون وحكومة ( فتح فياض) أنهم قد يشكلون الوقود، والشعلة التي ستفجر هذه الانتفاضة؛ فرأى الطرفان ضرورة التخلص منهم باتجاه غزة.

 

يعود ميتشل أيضاً بعد القمة العربية التي انضبطت بالموقف الأمريكي، وتمسكت بالمبادرة، ولم تحرك ساكناً فيما يجري في مدينة القدس، ولم تقدم حلاً للحصار على غزة أو مساعدته في إعادة الإعمار، الأمر يعني أن الموقف العربي لا يزال موقفاً محدد الحرية، ويعمل وفق الرغبة الأمريكية وهو باق على حالة الانهيار، والتردي، والانصياع الكامل للأجندة الإسرائيلية الأمريكية.

 

وأمام هذه المواقف المتعددة يحضر ميتشل إلى الأراضي الفلسطينية، والأجواء مهيأة تماماً لطرح المشروع الأمريكي لتصفية القضية الفلسطينية، وهو يأتي على ما يبدو ولديه تصميم على نصب طاولة التفاوض تحت أي مسمى مباشرة أو غير مباشرة؛ لطرح المشروع الأمريكي للتسوية أمام الفلسطينيين والإسرائيليين لمدارسته لا للتفاوض عليه، ومن ثم الشروع في تنفيذه، وفي حال تعثرت المدارسة سيتم فرض هذا المشروع على الأطراف دون نقاش.

 

المشروع الأمريكي لن توافق عليه (إسرائيل) شكلياً، رغم أنه لا يختلف عما تريد، ولن يتمكن الفلسطينيون من رفضه؛ لأنهم لا يملكون الرفض، وقد يماطلون في الموافقة عليه، لذلك نعتقد أن الطرفين يريدان أن يظهرا أمام الرأي العام؛ سواء الفلسطيني أو الإسرائيلي بأنهما لم يقبلا المشروع الأمريكي، ولكنه فرض عليهم من الإدارة الأمريكية، ولا يملكون أن يرفضا، وبهذا السيناريو تكون أمريكا قدمت ما ينقذ الطرفين من الانتقاد أو الملامة تحت ذريعة الضغط الأمريكي، والإرادة الدولية.

 

المشروع الأمريكي يقوم على العمل على إقامة ما يسمى بالدولة الفلسطينية، هذه الدولة تقوم على ما يتبقى من الضفة الغربية من كانتونات تفصلها المستوطنات، والقدس عاصمة لدولة (إسرائيل)، وإعطاء الفلسطينيين مناطق قريبة من رام الله، سيطلق عليها في المستقبل القدس، والأماكن الدينية ستتولى الأمم المتحدة الإشراف عليها عبر تكليف واحدة من الدول الإسلامية المغرب مثلاً، أو الأردن لإدارة شئونها، الدولة الأمريكية الممنوحة للفلسطينيين ستُبقي المستوطنات الإسرائيلية مع إعطاء الفلسطينيين أراضي في صحراء النقب ( حالوتس) مع ممرات تسمح بالتواصل بين المدن الفلسطينية تحت مراقبة أمنية إسرائيلية.

 

الدولة الفلسطينية التي بدأ سلام فياض - عراب الإدارة الأمريكية وخادمها الأمين- بالتحضير لها، ستكون دولة وظيفية، تهدف إلى حماية أمن (إسرائيل)، قوام عناصرها الأمنية ما أعده الجنرال الأمريكي دايتون، دورها أولاً؛ ملاحقة الفلسطينيين في عقولهم، وأفكارهم، وسواعدهم، وحفظ الأمن الداخلي بما يخدم أمن (إسرائيل)، قوات بلا عتاد عسكري سوى السيارات وبعض الأسلحة الرشاشة الخفيفة والمراقبة في نوعها وذخيرتها، هذه الدولة لن تكون لها سيادة على منطقة غور الأردن، وستبقى هذه المنطقة تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية مع إمكانية انتفاع بعض المزارعين بالأراضي الزراعية دون وجود أمني فلسطيني، المعابر والمطار الفلسطيني سيخضعون للمراقبة الإسرائيلية المباشرة، غير المنظورة من الفلسطينيين، وسيتحكم الإسرائيلي بالداخلين والخارجين، وسيكون له حق النقض الفيتو على أي شخصية تريد السفر من أو إلى دولة فلسطين، لن تكون لهذه الدولة أي سلطة على الأجواء، أولاً لأنها لا تعنيها كثيراً، ثم لأن السيطرة الجوية هي للإسرائيليين، المياه في هذه الدولة المرسومة للفلسطينيين هي تحت السيطرة الإسرائيلية، ووفق القانون الإسرائيلي.

 

أما قطاع غزة، والذي يعد جزءاً من الدولة الممنوحة للفلسطينيين، سيتم تشديد الحصار أكثر عليه وخنقه بعد إغراقه بعشرات الآلاف من المرحلين، وخلق فوضى عارمة فيه من أجل زعزعة حكم حماس فيه، ومن ثم يتم إنزال قوات أمريكية عربية، واحتلال القطاع، ومن ثم تخليصه من المقاومة ومن حماس ويسلم للدولة الموعودة.

هذا في تصوري السيناريو المرسوم للفلسطينيين في المرحلة القادمة، وهذا أيضاً تصوري للمشروع الأمريكي في المنطقة، فهل تنجح أمريكا في تطبيق هذا السيناريو، أو أن تدخل المنطقة في حلبة صراع عنيفة تكون بداية لتغيير موازين القوى على الأقل في المنطقة العربية والإسلامية مما يغير قواعد اللعبة، سيناريو قد يكون أو لا يكون.