بقلم: صالح النعامي
دخل تواطؤ سلطة رام الله وكلٌّ من إسرائيل والولايات المتحدة مرحلةً جديدة وفق المخطط الذي يديره المنسق الأمريكي كيث دايتون، عندما أسهمت حكومة سلام فياض بقطع التيار الكهربائي عن قطاع غزة؛ ليعيش مئات الآلاف من الفلسطينيين في ظلام دامس، كل المسوغات والمبررات التي قدمتها حكومة فياض لمواجهة الاتهامات الموجَّهة لها سقطت بشكل مُخْزٍ؛ ففي البداية قالوا أن الاتحاد الأوروبي توقَّف عن تحويل المستحقات المالية اللازمة لشراء الوقود اللازم لتشغيل محطة التوليد، لكن هنا جاء الاتحاد الأوروبي ليؤكد أنه يواظب على دفع هذه المستحقات للسلطة بانتظام، وبعد ذلك قالت السلطة أنها توقفت عن تحويل الأموال لشراء الوقود لمحطة توليد الكهرباء في القطاع؛ لأن شركة توزيع الكهرباء لا تقوم بجباية فواتير الكهرباء بشكلٍ فعَّال، وهي تعلم أن قطاع غزة الذي تصل فيه نسبة البطالة إلى حوالي 70%، وتتجاوز نسبة الفقر 85% لا تتمكن الأغلبية الساحقة من العائلات فيه من تسديد فواتير الكهرباء، وهذا بالضبط الذي جعل الاتحاد الأوروبي يقوم بدفع ثمن الوقود المخصَّص لمحطة التوليد، لكن ما يودون تجنب الاعتراف به هو أن ما يجري في الواقع هو خطة أخرى ضمن خطط وبدائل أخرى بلْوَرَها المنسق الأمريكي العسكري كيث دايتون، تهدف بشكل أساسي لإسقاط حكومة حركة حماس في القطاع، بعد أن فشلت الخطة الأولى المتمثلة في الحرب الأخيرة على القطاع، والتي اعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي في حينه إيهود أولمرت بأنها كانت تهدف للتخلص من حكم حركة حماس للأبد، أن كيث دايتون الذي خطط المواجهات التي سبقت الحسم العسكري الذي قاد إلى سيطرة حركة حماس على قطاع غزة عندما عملت تحت إمرته أجهزة عباس الأمنية وخاضت حملة من الاستفزازات الخطيرة أسفرت عما أسفرت عنه، يعيد الكرة هذه المرة بتكثيف الضغوط والعقوبات الجماعية على الفلسطينيين عامةً في القطاع، وذلك بهدف إقناعهم بالتمرُّد على الحكومة القائمة.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار تواصل الحصار وإغلاق المعابر والمنافذ الحدودية والضغوط العسكرية التي تكثَّفت في الآونة الأخيرة، فإنه يرتسم أمامنا مخطط لتغيير الواقع السياسي في قطاع غزة بشكل جذري، تدرك السلطة التي أقدمت على هذا السلوك المشين أن الغزيين الذين تمكنوا من عمل المستحيل وتجاوزا الكثير من آثار الحصار عبر حفر الأنفاق للحصول على حاجياتهم الأساسية غير قادرين على تهريب الوقود المخصص لتوليد الطاقة الكهربائية؛ لأن مثل هذا الوقود يخضع للتداول التجاري بين الدول، علاوةً على أن القطاع يحتاج إلى كميات ضخمة من أجل تشغيل التيار الكهربائي، قطع التيار الكهربائي عن القطاع خطوة مؤلمة جدًّا، وتتسبب في كارثة إنسانية بالغة الخطورة، وتحديدًا فيما يتعلق بالوضع الصحي، فهناك الآلاف من مرضى الكلى والقلب والربو وغيرها من الأمراض المزمنة والأطفال في الحاضنات الذين يحتاجون الكهرباء على مدار الساعة، ناهيك عن المضار الهائلة الناتجة عن عدم القدرة على معالجة مياه الصرف الصحي والتي أصبحت تجري في شوارع المدن والمخيمات، وما ينجم عنها من مضار صحية كبيرة، وإن كنا قد أشرنا في السابق أن فياض تجاوز كل الخطوط الحمراء في استلابه لمخططات الاحتلال ضد شعبه، فإنه يثبت يومًا بعد يوم أن استعداده الفطري للمسّ بأبناء شعبه لا يقف عند حد.
فحسب الإذاعة فقد اتصل وزير الحرب الصهيوني إيهود باراك برئيس حكومة رام الله سلام فياض وطلب منه التوقف عن تمويل شراء الوقود اللازم لتشغيل محطة توليد الكهرباء لإظلام القطاع ومنع أهله من متابعة تطورات الفعاليات الاحتجاجية التي يخوضها الأسرى، على الرغم من أن ما بثته الإذاعة الإسرائيلية أقرب للخيال منه للواقع، لكن ديوان فياض لم يسارع لنفي الخبر، كعادته.
للأسف، إن فياض وقيادة السلطة وحلفاءهم الإسرائيليين والأمريكيين والقوى الإقليمية يعجزون عن قراءة الواقع كما هو، صحيح أن ما يقومون به مؤلم وقاسٍ، لكن التجربة دلت بما لا يدع مجالًا للشك أنه لا يمكن زحزحة إرادة الفلسطينيين بالمغريات المادية أو العقوبات الجماعية.
إن ما تتعرض له غزة يدلِّل على أن الأنظمة العربية وسلطة رام الله تذرف دموع التماسيح على عشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين قرَّرت إسرائيل طردهم من الضفة الغربية إلى قطاع غزة، فإن كان المسئولون العرب يدعون إلى عقد اجتماع عاجل للجامعة العربية لمناقشة القرار الإسرائيلي.. أليس من الأحرى أن تتحركَ هذه الأنظمة لمنع الموت المحقَّق عن المئات من المرضى الذين تقطَّعت بهم السبل في غزة بفعل الحصار وانقطاع التيار الكهربائي، من المضحك المبكي أن تفجُّر أزمة الكهرباء في غزة تصادف قيام أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى بجولة عربية للتأكد من تطبيق مقررات قمة 'سرتْ' الأخيرة، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: أليست مواجهة المأساة التي تعيشها غزة تصلح مقياسًا لجدية القمة ومقرراتها؟! أليس من العيب أن يبقى الغزيون أسرى 'الكرم' الأوروبي؟! أليس بمقدور العرب تغطية نفقات الوقود المخصص لتوليد الكهرباء في القطاع؟!


