بقلم: د. عطا الله أبو السبح
سرق اليهود أرضنا وممتلكاتنا، وسرقوا حتى ابتسامات أطفالنا، وخبزنا، وسرقوا ثوب أمي و(قمباز) أبي، سرقوا مساجدنا، وتراثنا وتاريخنا، فعلوا كل ذلك بأوامر من التلمود (الوحي الشفهي) الذي قال لهم (لا تسرق)، هي إحدى الوصايا العشر التي حرص يهود على كتابتها على إحدى الفئات الورقية لعملتهم..
فيفسرها أحد حاخاماتهم بقوله (لا تسرق) من اليهودي ، أما غير اليهودي فيسمح دونما وجل بسرقته، هذا السلوك (العبادة) طالما عانى منه الإنسان الفلسطيني فما أن تدخل ثلة من جنودهم للتفتيش حتى يسرقوا ما وصلت إليه أيديهم حتى وإن كان (قرطا) لطفلة، والمسوغ هو نص يؤكده مبدأ من أخطر مبادئهم القائل بأن:(العالم بأسره ملك لإسرائيل، وعليه فإن ما سرقوه ليس بسرقة.
فالإنسان لا يسرق من ماله، وحتى يهون الأمر على من لديه تردد منهم في نهب مال (الأغيار) ويقربه لأذهانهم يعطي التلمود مثلا (كما أن ربة البيت تعيش من خيرات زوجها، هكذا أبناء (إسرائيل) يجب أن يعيشوا من خيرات أمم الأرض دون أن يحتملوا عناء العمل) وعلى ضوء ذلك ندرك حرص يهود على أن يسندوا الأعمال وأدناها للفلسطينيين الذين يجمعونهم في ميادين أطلقوا عليها (أسواق العبيد) ثم يقسمونهم إلى عمال لجمع القمامة والصرف الصحي وفرد السماد، وتنظيف طاولات السكارى وكنس الشوارع أو البناء، مستغلين حاجتهم للقمة العيش وضروريات الحياة ، وإن هي إلا بعض سنوات حتى تزحف الشيخوخة إلى أجسادهم وملامحهم وتسكن أجسادهم الأمراض في الوقت الذي ينعم فيه المتساوقون مع اليهود برغيد العيش بعد أن فقدوا كرامة الانتماء لهذا الوطن، فأمسوا أكثر تلمودية من التلموديين.
ولعل من أعظم المصائب التي مني بها شعبنا أن ينحى الدين عن طاولة صانع القرار والمفاوض ، في الوقت الذي يجعل اليهودي تلموده في صدره، وإذا ما صاغ قرارا فلا يخرج عنه، أو عن فهمه وتفاسيره، وإذا ما تسلل إليه هاجس أنه جانب الصواب أو ارتكب ( هفوة ) فإن صلاة في يوم الغفران ( من العام إلى العام ) كفيلة بأن تمسح ذنوبه وإن كانت خطايا أو كبائر، يدخل - في ذلك اليوم- في صلاة يناجي فيها ربه حيث يقول ( اللهم اغفر وبدد ولاش جميع النذور والواجبات وألوان العذاب والإيمان التي عملناها، وارتضينا بها واحتملناها وأقسمنا بها منذ يوم الغفران من السنة الماضية إلى يوم الغفران من السنة القادمة ، وأبعد عنا من أن تكون نذورنا نذورا وإيماننا أيمانا ).
إذن كيف يمكن أن يحصل المفاوض على( حق ) من خصم هذه عقيدته ، وكيف نأمن له وهو أفعى ؟ وكيف يصدق من لا يرى منه إلا حمارا أو خنزيرا أو كلبا ؟ وإن رأى صورته كإنسان فلا أقل من أن يشي به ويكذب عليه ويسرقه إن لم يقتله ! وهو يعلم ذلك ؟ إذ ليس الأمر سرا ، لا بل ثابت ، ومطبوع ومنشور وعليه دراسات حصل عليها بعض المقربين من صناع قرارنا ومفاوضينا درجات جامعية ـ( الماجيستير والدكتوراة ) وتدرس في جامعاتنا !! وهنا الطامة
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
وإذا سلمنا بأن مفاوضنا لم يقرأ، وإذا قرأ نسي ، وإذا لم ينس لم يلتزم، ولم يترجم ما علم إلى سلوك ومبدأ ، فإذا سلمنا بكل ذلك فلماذا لم يستخلص العبر من تجاربه وقد أدرك ألا شيء مما له بالأغيار علاقة مقدس ، لا المواعيد ولا العهود ولا المواثيق و لا الشرعية الدولية ، أبدا ، مما تستحق القضية ( أرضا وإنسانا وهوية ) من كل منا أن يقف ليفكر، أن يستعيد ذاكرته ووعيه وثقافته وتجاربه ، تستحق أن يقف المفاوض بكل حواسه ليرى من أمامه ويسمع ما قال وقرر ووقع ، وماذا فقد من كل ذلك والتزم ؟ تستحق أن يتصالح مع نفسه ومع شعبه يستشرف من كل ذلك ، المستقبل بعد أن يصوغ برنامجا يقوم عليه وبه الكل الفلسطيني ، يستحق وقفة ( صدق ) وإباء دون خداع أو نكوص ...
تستحق وقفة مع ( الذات ) وأمام ( الضمير ) ليجيب على سؤال كبير : أين نحن ذاهبون ؟ وأين يريدنا الآخرون أن نذهب ؟ وما أدواتنا ووسائلنا ؟ وإن كان الجواب لا ترضى عنه الضمائر ، فهل الفشل هو قدرنا ؟
