الثلاثاء 06 يناير 2026 الساعة 01:42 ص

مقالات وآراء

الانزياح التنظيمي في فلسطين

حجم الخط

بقلم: د. فايز أبو شمالة

 

ظاهرة اجتماعية، وتنظيمية، وحزبية، تمثل استجابة واعية للمتغيرات الحياتية والسياسية، البعض يدركها سريعاً، يتفاعل معها، وتصيبه بالتأثير الإيجابي، وتوحي له بواقع جديد مغاير، والبعض يظل كالمسمار في الخشب، لا تحركه شدة الرياح التي تقتلع الأشجار الجافة، ليجد نفسه مثبتاً في خشبته دون دراية منه في أي أرض قذفت فيه الريح.

 

لقد شهد تاريخنا الفلسطيني الحديث ميلاد عشرات التنظيمات السياسية، كما شهد موت عشرات أخرى، وشهد الراهن الفلسطيني تنظيمات توسعت جماهيرياً، وتمددت، وتألقت بالفعل الواعي والواثق، وأخرى ضاقت على عناصرها بالوراثة، واضمحلت، وغاب تأثيرها عن الحدث السياسي، ولكن الثابت؛ كلما اختفى تأثير هذا التنظيم كلما تجلى حضور الآخر.

 

قليلة هي التنظيمات الفلسطينية التي تدرك ما يجرى من تحولات في وجدان الجماهير، ولكن الجميع يلمس ذلك مع حالة الانزياح الجماهيري عن التنظيم، والجفاء السياسي له، والتناقض الفكري معه، وقد عاشت بعض التنظيمات الفلسطينية هذه الحالة، وسعت لتدارك التدهور في حضورها الوجداني للناس، وعملت على تطور أفكارها وفق الواقع، فانتقلت مرة من فكر قومي إلى فكر ماركسي، لتعاود الانتقال من الفكر الماركسي إلى الفكر الاشتراكي، وقد تحولت بعض التنظيمات بمواقفها السياسية، فمن المطالبة بكل فلسطين، إلى القبول بحدود سنة 67 من فلسطين، وانزاحت بعض التنظيمات عن نفسها، وانشقت، وانشطرت، وانفطرت، وكلها شواهد، تقول: لا ثبات، ولا جمود في الحياة السياسية التي تعتمد الحراك، ولاسيما عندما تصطدم التجربة التنظيمية بحائط الصد الواقعي العنيد.

 

حالة الانزياح التنظيمي التي أصابت الأفراد، هي التي تصيب المجتمعات ككل، وعلى سبيل المثال: لقد هتفت التجمعات الفلسطينية في غزة مطلع السبعينيات من القرن الماضي لتنظيمات اليسار، وعشقت أفكاره، وروايته عن نفسه، وخطابه الإعلامي، حتى صار مخيم جباليا أكبر مخيمات اللاجئين في قطاع غزة، صار كله يتبع تنظيماً يسارياً بعينه، ولكنه تحول بالتجربة، وانزاح فكرياً، وسياسياً إلى تنظيم آخر لا علاقة له باليسار. وظل كذلك زمناً، حتى إذا اقتربنا من الفترة الراهنة، أدركنا أن المجتمع الفلسطيني واصل تحوله الفكري حتى صار بغالبيته مؤمناً بالعقيدة الإسلامية، وسار وهو يؤمن بخطها السياسي، وسار دون أن يلتفت إلى ما له صلة، أو احتكاك، أو علاقة باليسار، الذي صار منظره غريباً، بل صار فكره شاذاً وسط مجتمع فلسطيني عربي مسلم، لا يتعايش مع الأفكار المستوردة.