بقلم: د. عطا الله أبو السبح
صرح عباس في لقاء (متلفز) بأن حماس لم توقع على الورقة المصرية ، لأن إيران منعتها من التوقيع ( أو كما قال فخامته ) ، وليس جديداً أن يصرح عباس بذلك ، بل هو تصريح مكرور حتى صار ممجوجاً ، وللرجل الحرية في أن يقول ما يشاء كيفما يشاء وأينما يشاء ووقتما يشاء، ولكن بضوابط أخلاقية . كما أن للمتلقي أن يذهب إلى أحد احتمالين :
1- إن ما قاله عباس كان بناءً على معلومة يملك عليها وثيقة أو بينة، لنسلم له بما قال ، ثم يكون للشعب الفلسطيني موقف من حماس وإيران معاً ، فحماس – حالتئذ – ألعوبة في يد إيران ، تنفذ ما تمليه عليها ، وفي مقدمتها عدم رص الصف الفلسطيني ، وإنهاء هذا الانقسام، الذي أفاد الجانب الإسرائيلي ، وجعل من شطري الوطن في خصومة وعداء ، ولكل منهما استراتيجية.
وقد وجدت إيران في حماس طرفاً فلسطينياً يرفض الوجود الإسرائيلي، ويرفض الاحتلال، يرفض تهويد القدس، يرفض المستوطنات، يرفض شطب حق العودة ... حالفتها ، وأمدتها بكل ما يدعم موقفها ، بعد أن يئست من الطرف الفلسطيني الآخر ( م. ت. ف ) بعد أن اعترفت بـ(إسرائيل)، وأقرت بوجودها ، وغضت الطرف عن الاحتلال، وتتعامى عن تهويد القدس ، وتتحالف مع (الشين بيت) الإسرائيلي تحالفاً وثيقاً ( على حد قول إيلي نيسان ) رداً على سؤال مذيع الـ (بي بي سي) يوم أمس متعلقٍ باختطاف ماهر عودة، عندما سأل المذيع إن كان يؤكد اتهام حماس، وينفي نفي السلطة بأنها ساهمت في اختطافه لصالح (الشين بيت)، قال: أنا لا أؤكد اتهام حماس ، ولكن أتحدث عن واقع ، فالتنسيق الأمني على أشده، ومثل لذلك بإغلاق مؤسسات حماس وملاحقة عناصرها واعتقالهم ، وتسليم المطلوب منهم للأمن الإسرائيلي ، وعلل ذلك بأن السلطة و(إسرائيل) تخشيان أن تسيطر حماس على الضفة، كما سيطرت على غزة.
الأمر الذي يقودنا إلى سؤال : ترى أي الحلفين أشرف ؟ هل التحالف مع أجهزة الأمن الإسرائيلية أم هو الذي يجري بين إيران وحماس ؟ لو سألنا تلميذاً في المدرسة الابتدائية لقال: بأن التحالف مع (إسرائيل) هو الأخطر والأخس وهو الخيانة والجاسوسية ، وليس معنى أن التحالف مع أعداء (إسرائيل) هو خسيس ومنحط، بل هو الشرف بعينه ، وليس هناك وجه للمقارنة قط.
2- أما الاحتمال الثاني فما قاله عباس هو قول علي عواهنة، ومجرد ( ردح ) لا مسؤول ولا ينبغي أن يصدر عن عوام الناس لا عن رئيس !! خاصة وأن حماس تعلنها صريحة : إننا ذاهبون إلى التوقيع ، ونادت مصر أكثر من مرة أن تدعو الأطراف للقاء يجري خلاله التوقيع ، ولقد استقبلت حماس د. نبيل شعث بترحاب ، وسمحت له أن يمشي في طول القطاع وعرضه، ويلتقي مع كوادر فتح وكوادر فصائل م . ت . ف ، في الوقت الذي يضرب على حماس بطوق حديدي صلب، يمنعها من التنفس والكلام، فضلاً عن الحركة وممارسة الحياة ..
تحكم القيد على رأس الشرعية البرلمانية د. دويك ، التزاماً بأوامر ضباط الشين بيت والموساد إضافة إلى أوامر الجنرال الأمريكي دايتون ( حسب إيلي نيسان أيضا ) فإن كان الأمر كذلك وهو فعلاً كذلك، فإن على عباس أن يبلع لسانه ولا يصدع رؤوسنا بهذا الهذر السخيف الذي لم يعد ينطلي على الهواة من المتابعين والمراقبين؛ حفاظا على بقايا العلاقة بين عباس وسفيره في طهران الذي يجاهر بأن أول المؤيدين للثورة الخمينية كان ياسر عرفات ، ويزين صدر مكتبه بعدد من الصور الكبيرة التي تجمع بين عرفات وقيادة الثورة. ومن الجدير ذكره أن إيران هي الدولة الوحيدة التي طردت السفير الإسرائيلي ورجالات السفارة وسلمتها لدولة فلسطين ، وأمدت المنظمة بالمال والرجال والسلاح، أيام أن كانت منظمة تحرير ، بل ويفاخر زعماء فتحاويون أن أبا عمار هو من أمد الخميني بما يلزم الثوار قبل أن يثوروا ! ما هذه 'الشيزوفرينا' أو ألاعيب الحواة التي يمارسها عباس على الساحة العربية والدولية مندوباً عن أجهزة الأمن الإسرائيلي، التي تهيئ العالم لحرب قادمة ضد إيران و(أحلافها) ومنهم ( على حد قول عباس) حماس .
لم يكن مصادفة أن يتحدث عباس بما تحدث به ، كما لم يكن من المصادفة أن يتحدث إيلي نيسان يما تحدث به ، فالثاني هو مراسل التلفزيون الإسرائيلي في الكنيست صانعة القوانين والقرارات الإسرائيلي، وحاضنة حكومة نتنياهو وأحزابها ، فهو عليم ببواطن الأمور. وأما الأول فمندوب وناطق رسمي بلسان جهاز النتسيق الأمني الإسرائيلي - الفلسطيني الذي يرأسه الثالوث ( أشكنازي – عباس – دايتون ) كما أنه ليس مصادفة أن يتزامن اختطاف ماهر عودة، من رام الله -عباس ، وبناء أكبر كنيس يهودي، وضم الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال بن رباح ، وتجاوز الإسرائيليين الخط الأحمر الأخير في تدمير الأقصى، وسعار الاستيطان ( بناء 1600 وحدة + 50.000 وحدة ) في القدس، وما يلزم عباس من حصار حماس ، وتحشيد كل قوى الشر ضدها فليس مصادفة .. فهل سينجح عباس؟ أقول : إن الله لا يصلح عمل المفسدين ، ويقول: لعنة الله على المفسدين.


