بقلم: د. فهمي هويدي
ثمة نقاط مهمة جديرة بالملاحظة والتدبر فى الحوار الذى أجرته صحيفة 'يديعوت أحرونوت' مع شالم كوهين (54 سنة) تاسع سفير لإسرائيل في القاهرة. الذي انتهت مهمته وعاد إلى بلاده أخيرا. كرر الرجل في الحوار الذي نشر يوم الأول من مارس الحالي ما شكا منه سابقوه من أنه عاش فى عزلة اجتماعية نسبية. فالمواطنون العاديون لا يبادلونه أي ود، والمثقفون يتعاملون باشمئزاز مع إسرائيل، ومختلف النقابات والاتحادات تقاطعه وتهدد من يتعاون مع إسرائيل بالطرد، أما الأشخاص القليلون الذين تواصلوا معه، فإنه حرص على ألا يذيع أسماءهم حتى لا 'يحرقهم' على حد تعبيره، من ثم فإنه شكل معهم 'شلة' سرية لا تجرؤ على أن تعلن عن نفسها.
في مقابل هذه العزلة الاجتماعية، فإنه أبدى اعتزازا بالنجاحات التي حققها على صعيد العلاقات السياسية. وقد لخصها في قوله إنه يوجد الآن بين مصر وإسرائيل حوار سياسي أمني وعمل مشترك في الميدان لم يوجد له مثيل في الماضي، وهو ما سمح بإنجاز خطوات مهمة كثيرة جدا، لا يراها كثيرون، ولا يستطيع الخوض فيها.
في شرح هذه النقطة قال إن ثمة حوارا جيدا جدا مع رموز السلطة في مصر، من قصر الرئاسة إلى كبار الوزراء، الذين في المقدمة منهم وزراء الحربية والاستخبارات والاقتصاد والزراعة والبنى التحتية. وهؤلاء جميعا متفقون على أهمية تطوير وتحسين العلاقات مع إسرائيل، لكنهم وحدهم الذين يفكرون بهذه الطريقة، لأن الشارع لا يزال معاديا و'متطرفا'.
واستطرد قائلا إن السياسة المصرية لها وجهان يعبران عن دبلوماسية 'خلاقة جدا'، فالسلطة تقيم معنا حوارا مستمرا في مختلف المجالات الحيوية، لكنها في الوقت ذاته تهادن الرأي العام، كي يظل الشارع مؤيدا لها، لذلك فإن هناك تباينا بين ما يقوله المسئولون المصريون في الغرف المغلقة وبين ما ينشر على الملأ في الصحف اليومية.
تحدث شالم كوهين عن الرئيس مبارك، فقال إنه شخصية شديدة الاعتدال وهو 'حميم وحبيب وحكيم، ويبحث دائما عن القواسم المشتركة والمصالحة، والتقريب بين الآراء. وقد أحببت إصراره على اعتبار السلام مع إسرائيل قرارا استراتيجيا لا عودة عنه. في الوقت ذاته، فهو رجل شجاع لا يتردد في أن يسبح ضد التيار السائد. وفي بعض الأحيان سمعت منه كلاما عن إسرائيل لا يحب الشارع (المصري) أن يستمع إليه، وله الفضل الذي لا ينكر في تشجيع رجال الأعمال والاقتصاد على زيارة إسرائيل. خصوصا رجال الأعمال العاملين في مجالات النسيج والمعدات الطبية ومعدات الاتصال والاستشارات الزراعية'.
أضاف الرجل قائلا: 'إن حوارا شخصيا ناجحا تم بين الرئيس مبارك وشارون، استمر بعد ذلك بين الرئيس وبين أولمرت ثم نتنياهو. وبوسعي أن أقول إن الرئيس يثق في نتنياهو. وقد سمعت ذلك منه ومن رجاله، كما سمعت من كبار الوزراء المصريين -في الغرف المغلقة- أنهم يثقون في جدية نواياه، وإن كانوا لا يعربون عن ذلك في العلن'.
شكا السفير من أن العلاقات الشخصية بين الرئيس مبارك ونتنياهو توطدت لدرجة أنه كان يتم تجاوزه في بعض الأحيان. وروى أنه فى إحدى المرات لم يعلم بزيارة رئيس وزرائه للقاهرة إلا حين تلقى مكتبه اتصالا من الرئاسة يسأل: كيف يحب رئيس حكومة إسرائيل تناول وجبة السمك. وإذ دهش لذلك فإنه أجاب بأنه يفضل السمك البحري ولا يتناول فواكه البحر، لأنه متمسك بالأكل الحلال (في الديانة اليهودية).
عن مستقبل الرئاسة في مصر، قال الرجل إن الرئيس مبارك سيخوض انتخابات الرئاسة القادمة وسيفوز. لكنه قد يضطر إلى ترك منصبه بعد ذلك بسبب سنه المتقدمة. وآنذاك سيتم إجراء انتخابات مبكرة سيتقدم فيها الابن، وثمة إعداد لذلك من الآن. وإذا سارت الأمور في ذلك الاتجاه فإن التصور السياسي الآمن الذي تبناه الأب سيلتزم به الابن الذي لا ترغب فيه عدة قطاعات في مصر، وهو أمر يقلقنا كما يقلق العالم.
لقد ذكرت في البداية أن الحوار جدير بالملاحظة والتدبر. وقد استخلصت منه ما وجدت أنه جدير بالملاحظة، أما التدبر فقد تركته لفطنتك، لكنني أنصحك بتعاطي أي قرص مهدئ قبل أن تقدم على هذه المحاولة.


