بقلم: د. فهمي هويدي
معهم حق، الذين قارنوا بين حماس المصريين لما حققه الفريق القومي لكرة القدم، وبين الفتور النسبي الذي قابلوا به جرائم 'إسرائيل' الأخيرة في الأرض المحتلة، التي في مقدمتها اقتحام المسجد الأقصى وضم الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال بن رباح إلى الآثار اليهودية. وكانت خلاصة ما خرجوا به من المقارنة أن الرأي العام المصري استولت عليه كرة القدم. وغيرها من المعارك الصغيرة، وأنه لم يعد يكترث كثيرا لا بالقضية الفلسطينية ولا بالمقدسات الإسلامية.
هذا الكلام صحيح بصورة نسبية، لكنه يحتاج إلى ضبط. أقول بصورة نسبية؛ لأن إطلاق الحكم على الشعب المصري لا يخلو من بعض التعسف. ذلك أنه في اليوم الذي نشرت فيه أخبار اقتحام المسجد الأقصى تحدثت الصحف المستقلة في مصر عن مظاهرات في جامعات القاهرة والأزهر والزقازيق احتجاجا على اقتحام المسجد. وكانت بعض الهتافات واللافتات تحمل ذات النقد الذي نتحدث عنه، فقد ظل طلاب الأزهر يرددون: «ماتش كورة حرك دولة، والأقصى بعناه مقاولة». وهتف آخرون قائلين «يا حكامنا ساكتين ليه، بعد الأقصى فاضل إيه» و«مش عايزين شجب ولا إدانة، عايزين مدفع عايزين دانة». في اليوم ذاته نشر أن طلاب كلية الحقوق بجامعة المنوفية رفعوا دعوى أمام القضاء الإداري بشبين الكوم للطعن ضد رئيس الجامعة وعميد كلية الحقوق لقيام الأخير بفصل سبعة منهم من الفصل الدراسي الثاني بسبب نشاطهم في تعبئة الطلاب ضد الانتهاكات الإسرائيلية.
ما أريد أن أقوله إن في مصر فئات لم يجرفها التيار، ولاتزال تحتفظ بتوازنها ووعيها، وهذه الفئات تجدها بين قطاعات الشباب والمثقفين والمهنيين. لكننا يجب أن نعترف بأن مصر منذ وقعت اتفاقية كامب ديفيد، وخرجت سياسيا من الصف العربي عام ١٩٧٩، تراجعت لديها بشكل تدريجى أولوية القضية الفلسطينية. وهي الأجواء التي رفع فيها شعار «مصر أولا»، الذي كان يعني في حقيقة الأمر أن على كل بلد أن «يدبِّر حاله بسواعد رجاله». وحين حدث ذلك فإن الإعلام الذي يعد الأقوى تأثيرا على الإدراك العام، ضعف اهتمامه بالقضية، وأصبح عاكسا تماما لخريطة الأولويات السياسية. بكلام آخر، فإن مصر حين نفضت يدها من القضية الفلسطينية وتراجع دورها في الساحتين العربية والإقليمية، فإن محيط اهتمامها الاستراتيجي تراجع إلى حد كبير، وبالتالي صغرت الدائرة التي تتحرك فيها. وبعد مضي ثلاثين سنة على كامب ديفيد يلاحظ المراقب أن مصر تزداد انكفاء على ذاتها حينا بعد حين. وذلك نلمسه في الصحف المصرية التي أصبحت اهتماماتها محلية بحتة، ولم يعد العالم العربي أو العالم الخارجي يذكر فيها إلا في أضيق الحدود. هذه الصبغة المحلية التي أصبحت محلا لتنافس ومزايدة وسائل الإعلام المقروءة والمرئية، أثرت على إدراك الجماهير العريضة، التي باتت ضحية هذه التعبئة، وغدت أكثر انفعالا وتجاوبا مع الأحداث المحلية بالمقارنة بأي أحداث أخرى عربية أو خارجية.
حين اقتحم الإسرائيليون المسجد الأقصى كان العنوان الرئيسي للصفحة الأولى في أهرام الاثنين 1/3 كالتالي: «الهدوء يعود إلى القدس بعد تدخل مصر» وهذا التدخل كان مجرد اتصال هاتفي أجراه وزير الخارجية المصري مع رئيس الوزاء الإسرائيلي بخصوص تهدئة الموضوع. وإذا دققت في العنوان جيدا ستجد أنه يلفت الانتباه إلى أهمية الدور و«الإنجاز» المصري، وأنه قدمه على جريمة الاقتحام، التي هي الأخطر بكل تأكيد من الناحية الإخبارية والسياسية.
هذا الموضوع كان محل مناقشة على الموقع الإلكتروني لصحيفة الجارديان البريطانية يوم أول مارس، وكان محور المناقشة هو احتمالات التغيير الديمقراطي في مصر. وكانت قارئة فلسطينية قد علقت آمالا على ذلك التغيير، وقالت إنه إذا حدث فإن 'إسرائيل' لن تسعد به، حينئذ رد عليها شاب إسرائيلي قائلا ما معناه، لا تتفاءلي كثيرا بذلك التغيير إذا حدث، لأن قضية فلسطين لم تعد هاجسا ملحا لدى المصريين، الذين أصبحوا مشغولين أكثر بمشكلات الغذاء والمياه والبطالة وغير ذلك من الأمور الحياتية الضاغطة.
لقد خربت السياسة إدراك المصريين، وكانت تلك أكبر هدية قدمت لـ'إسرائيل'.

