بقلم: ياسر الزعاترة
بعد رحلة طويلة في ميادين المحاكم، قضت المحكمة الإدارية في مصر بعدم اختصاص القضاء بمناقشة قضية تصدير الغاز ل'إسرائيل' باعتبارها من «شؤون السيادة»، وهو القرار الذي غلفته بنصوص تتحدث عن ضرورة إعادة النظر في اتفاقية تصدير الغاز ل'إسرائيل' التي وصفتها بالمعيبة.
والمثير أن يأتي قرار المحكمة في ظل أزمة الغاز المنزلي التي تعصف بالمصريين في موسم الشتاء، وفي ظل استمرار الجدل حول الاتفاقية التي أثارت وستبقى تثير قهر المصريين، ليس فقط لأنها بالغة الإجحاف، ولكن أيضا لأنها تمَّت مع عدو مصر الحقيقي (الدولة العبرية) الذي يريد البعض استبداله بالفلسطينيين في قطاع غزة باعتبارهم التهديد الحقيقي للأمن القومي المصري.
هذا الوضع البائس هو الذي استفز عدداً من رواد الإنترنت الشباب، ودفعهم إلى إنشاء موقع ساخر على «الفيسبوك» بعنوان «فلسطين عدونا فلنعاملها كما نعامل إسرائيل»، مشيرين إلى ضرورة تزويدهم الفلسطينيين بالغاز مجاناً أسوة بالإسرائيليين، فضلاً عن قضايا كثيرة أخرى مثيرة للأسى والسخرية في آن واحد.
ولأن قضية تصدير الغاز من «شؤون السيادة»، فإن النظام المصري لن يقول لشعبه لماذا يقدم الغاز للإسرائيليين بحوالي ربع أو خمس سعره في السوق، ولماذا لا تتاح مناقشة الاتفاقية، وما موانع ذلك؟ هل يأخذ المصريون شيئاً في المقابل يشكل الإعلان عنه تهديداً للأمن القومي (قنابل نووية مثلاً)؟!
لا شيء من ذلك في واقع الحال، فما جرى هو نتاج سياسات بائسة لنخبة تحكمت في السلطة والثروة، ورهنت وجودها ودورها بالخارج الأميركي والإسرائيلي، ونعلم أنه منذ ظهور ملامح التوريث في مصر، معطوفاً على تأكيد زواج السلطة والثروة، صارت مصر مزرعة لهؤلاء الذين يبيعون أمنها القومي ودورها مقابل تأمين مصالحهم.
هل كان عبثاً -تبعاً لذلك- أن يخرج المصريون في استقبال محمد البرادعي، الأمين العام السابق لوكالة الطاقة الذرية، في المطار بكل تلك الأعداد من أجل دعم ترشيحه للرئاسة، مع أن إمكاناته ليست كبيرة على صعيد المؤهلات الخاصة بمنصب الرئاسة، إذ يتوافر في مصر من هم أكثر قدرة على تولي المنصب؟
كان موقف المصريين ذاك بمثابة إعلان ضجر من النظام وسياساته البائسة على مختلف الأصعدة، والتي لم تُصب الداخل فقط، من حيث الفساد والقمع، وتبعاً لذلك الجوع والفقر، وإنما أصابت أيضاً الدور والحضور المصري في المجال العربي والإقليمي.
عندما يتشبث النظام بفريق كرة القدم لكي يحسن شعبيته، فذلك منتهى البؤس، لأن فوز الفريق المصري بكأس العالم وليس كأس الأمم الإفريقية لن يعزز دور مصر الإقليمي ويحمي أمنها القومي، كما لن يغير طبيعة حياة المصريين، حتى لو كان من حق الناس أن يفرحوا بأبنائهم الذين جدّوا واجتهدوا وفازوا، هم الذين ليس من بينهم ابن لمسؤول، وليس منهم من ورث حرفته بسبب الفساد والإفساد.
موضوع تصدير الغاز لدولة الصهاينة التي زرعت في هذه المنطقة من أجل ضرب مصر ودورها، أكثر من استهداف الفلسطينيين أنفسهم، هذا الموضوع كان ولا يزال بمثابة الجرس الذي يذكّر المصريين صباح مساء بالبؤس الذي يعيشونه على مختلف الأصعدة، ويحفز تبعاً لذلك رغبتهم في التغيير.
والحق أن في مصر شعباً أبيّاً يرفض الظلم بكل أشكاله، لكن مؤسسة القمع التي نمت وترعرعت طوال عقود بعد أن صُرف عليها من دم المصريين وعرقهم هي التي تحول دون ذلك، أما الذي لا يقل أهمية فيتمثل في دور الخارج الغربي (الأميركي على وجه الخصوص) الذي يقف بدوره إلى جانب النظام وضد أشواق المصريين في التغيير، وبالطبع لأنه مقتنع بأن أحداً لن يخدم مصالحه في المنطقة مثل النظام القائم.
ولنتخيل لو أن غضب المصريين يجد دعماً من الخارج مثل غضب قطاع من الإيرانيين، ما الذي يمكن أن يحدث؟! مع أننا لا نأمل دعماً، بل مجرد حياد لا أكثر.
كل ذلك لن يوقف مساعي المصريين لإحداث التغيير بكل وسيلة ممكنة، كما لن يوقف دعمهم لقضايا أمتهم الكبرى التي يفرط فيها النظام، ما يعني أن التغيير قادم لن يوقفه شيء، طال الزمان أم قصر.


