بقلم: د. عطا الله أبو السبح
(إسرائيل) جسم غريب قد زُرع في جسد هذه المنطقة فأصابه بالعلل ، كجرثومة خبيثة تنشر سمومها الفتاكة فيما حولها ، و لم يتعافَ جسد هذه المنطقة منذ أن زُرعت (إسرائيل) فيه ، و يبدو لها أنها قد تمكنت منه ، ولا سبيل لخروجها ، بل ستحلله لتـَحـُل محله ، وقد دأبت على إشعال نيران الحروب في أرجاء المنطقة (مصر سوريا الأردن لبنان ) و دمرت كل محاولة لمقاومتها فأطاحت بأنظمة وأيدولوجيات فأسقطت القومية العربية، والاشتراكية، والوطنية، و كانت سببا في إسقاط بلدات، ودجَّنت ثورات و انهارت عواصم واستسلمت جيوش، و لم تكف (إسرائيل) عن العدوان والإجرام ، فهزمت ثلاثة أجيال ماديا و معنويا ، و بنت ترسانة حربية تبث الرعب في مواقع صناعة القرار ، و مزقت الثورة الفلسطينية حتى وصلت إلى أن تضع ( هي ) سياساتها لدرجة أن يقول شمعون بيريس ( و هو يفاوض الفلسطيني ) : نحن نفاوض أنفسنا !! و لم يساور (إسرائيل) مجرد الظن أن يرفع أحد رأسه في وجه ممارساتها ! و كان لديها – دائما – قائمة بمن تعتقد أنهم يمثلون خطرا عليها لملاحقتهم و قتلهم ، و قد نجحت في ذلك .
لم تتوقف يوما عن تطوير أدوات القتل و الدمار، و استعملتها حتى ضد العزل كما حدث في غزة و الجنوب اللبناني، فرأى فيها قادة المنطقة العدو الذي يجب مسالمته و مصادقته، بل والإذعان لتفوقه العسكري والاقتصادي و العلمي ، و ظهر صنف منهم يخطب ودها ، و يعمل على تحقيق أهدافها ، و يلاحق ( أعداءها ) كما هو الحال في السلطة الفلسطينية و ما تحرص عليه من تنسيق أمني ، و ما زاد ذلك (إسرائيل) إلا عدوانا و ظلما ، حتى كانت المقاومة التي بدأت بانتفاضة ، فأيقظت شعوب المنطقة ، و هزم الحجر الفلسطيني ترسانة الموت الاسرائيلية ، وأصاب قوتها النووية بالشلل و كشفت أن الجندي الاسرائيلي يمكن هزيمته بعد أن رأته منهارا هاربا متقهقرا أمام هجوم الطفل الفلسطيني ! ثم سقطت أوكار الجواسيس بعد أن وصلت إلى رؤوسهم ( البلطة ) و ( الساطور ) المقاوم ، ثم سقطت إمبراطورية لحد ، فتوحشت (إسرائيل) واستبسل الفلسطيني ، فلم يتوقف شلال دمه أمام الإرهاب الصهيوني ، و لم ينصرف الفلسطيني أو اللبناني عن المقاومة حتى أصبحت مقوم حياتهما و سر وجودهما ، فلاقى الجندي الإسرائيلي من يقتله ويأسره و يدمر دبابته ، ووجد الإسرائيليون من يفجر أسواقهم و حافلاتهم ، و عرفت السكين طريقها إلى عنق الإسرائيلي ، و رضخت المؤسسة الإسرائيلية لشروط قادة جدد فأفرجت عن آلاف المعتقلين ، ثم وجدت (إسرائيل ) من يقصفها بالصواريخ مع وعيد بأنها ستصل إلى ما بعد بعد حيفا ، هذا في الزمن الذي تتهاوى فيه أنظمة وأزلامها ، و تتصاعد المقاومة ، فتهزم الجيش الإسرائيلي في الجنوب اللبناني و تهزمه في غزة ، و تتحدى (إيران ) الكبار ، وتسير بثبات في برنامجها ، و تتعزز الثقة لدى الشعوب متجاوزة قياداتها ، و تلتف حول برامج لم يكن لـ(إسرائيل) بها عهد، فتنحسر عدوانيتها ، و تحسب ألف حساب قبل أن تـُقدم على ما اعتادت عليه من ضربات إجهاضية ... تسمع خطاب نصرالله و هي مدركة أنها تسير نحو الهزيمة ( إذا قصفت (إسرائيل) الضاحية سنقصف تل أبيب، و إذا قصفت مطار رفيق الحريري سنقصف مطار بن غوريون ، وإذا قصفت ................) و في نفس الوقت لم تفلح (إسرائيل) في إحكام الحصار على غزة ، فلم تخنقها ...و تزوغ أبصارها رعبا من النظام الإيراني و قد فشلت في إسقاطه من الداخل فضلاً عن الخارج ، ويبيت قادتها في رعب من وعيد نصرالله بالانتقام لمغنية ، وفي رعب آخر من المؤتمر الصحفي الذي كشف أسماء قتلة المبحوح ، و تأتي العسكرية الأمريكية و الدبلوماسية لتلجم (إسرائيل) عن فعل متهور بالعدوان على إيران ، و يصرخ روبرت جيتس في وجهها : سنسقط الطائرات الإسرائيلية إن جاءت لتضرب إيران من العراق .
مما تقدم نخلص إلى أن :
1- أصبحت المقاومة ثقافة تستقطب جيلا جديدا عانى من الظلم والاستبداد الصهيوني .
2- لم يرتطم هذا الجيل بحاجز الخوف الذي منع الجيوش العربية من استرداد كرامتها التي مرغتها الحروب الاسرائيلية على مدى ما يقارب من خمسة عقود .
3- لم تعد الترسانة الإسرائيلية بالتي توفر لها التفوق ثم الحماية من خطر حقيقي على نسيجها و كيانها و مستقبل وجودها .
4- لم تعد الأنظمة العربية بالتي يراهن عليها المشروع الصهيوني في قهر الشعوب، والحيلولة بينها و بين حقوقها، فقد سقطت هيبتها و سطوتها, فأخذت تحاول أن تساير شعوبها و تعمل على تحقيق أهدافهم في الحرية و الكرامة .
5- ظهور زعامات ( متحدية ) للكيان الإسرائيلي و مشروعه الإحلالي و التوسعي ، لا تحترف التهييج الأرعن ولا الديماجوجية الفارغة ، بل تعتمد برامج وآليات عمل و تطوير وسائل و خطط نجحت في إيقاع الهزيمة المعنوية في الإسرائيلي بعد أن حققت الكثير من أهدفها التي عززت وجودها و ثباتها و استمراريتها.
6- بدأ يتسلل لدى الذهن الغربي أن (إسرائيل) عبء على حقوق الإنسان ، و القوانين الدولية، حتى أمست صورتها تمثل العدوان و الجريمة و الكذب ، فمدَّ بعض الغربيين شريان الحياة إلى مقاومي (إسرائيل).
إذن، فلم يعد هذا الزمن هو الزمن الإسرائيلي بل هو زمن المقاومة الذي ينذر بهزيمة المشروع الصهيوني.


