الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 09:09 م

مقالات وآراء

أخزى الله من أخزانا

حجم الخط

بقلم: د. عطالله أبو السبح

 

لم يكن مفاجئا ما فجره فهمي شبانة التميمي, فإن بعض أفراد السلطة أصبحوا رموزا للفساد بعد أن غرقوا فيه حتى النخاع, ولم يكن مفاجئا كذلك ما جاء على لسان فهمي انه أخبر عباس بأسماء المفسدين, وقدم له وثائق على ما يفعلون, ولكنه لم يفعل شيئا, فالشاب ضابط صغير( على رأي الطيب) مختص في تتبع المفسدين الفاسدين, ثم (على رأيه أيضا) عميل لـ(إسرائيل)؛ فلا يؤبه له, ولكن الواقع أنه كان قريبا من عباس, ولذا فقد كان يخبره أولا بأول عما وصل إليه, لدرجة انه قال له: حتى أولادك ( حسب البي بي سي) فلم يستجب له, فأبرز له وثائق وصورا, فلم يستجب أيضا ، وما وضع حدا لتلك السفالات! كانت وثائقه مؤكدة, فقد زرع كاميرات خفية في مكتب رفيق الحسيني, فقدم للرئيس صورا لرفيق وهو يمارس الفجور مع فتاة ثمنا لتوظيفها, فلم يفعل فخامته شيئا, ولم ييأس الشاب, فقدم لفخامته تقريرا موثقا عمن كلفهم ( فخامته) بشراء أراض للشعب الفلسطيني من أراضي القدس وضواحيها قبل أن يبيعها العملاء للصهاينة ( وهذا عمل وطني وشريف) ولكن الأمناء أخذوا يقدمون فواتير الشراء بأضعاف حقيقتها لتمتلئ جيوبهم ( بالزوائد) ولم يفعل فخامته شيئا ! فاضطر فهمي أن يكشف المستور فأرسل ببعضها إلى القناة العاشرة الصهيونية ( وهنا نحن لسنا معه) وهدد بكشف المزيد إن لم يستجب الرئيس خلال أسبوع, فانقسم قادة السلطة إلى فريقين الأول سلم بالفساد المالي دون الفساد الأخلاقي ، والثاني أنكر الفسادين معا, وما السلطة إلا كوكبة من الأتقياء الصالحين, الذين لم يتلوثوا أبدا ولا يرقى إلى شفافيتهم شك , ولا يدنس أعراضهم إلا كل عميل وخائن, وما الزوبعة التي أثارها فهمي إلا بإيعاز من (إسرائيل), التي تعمدت تلويث سمعة عباس, وشرف الشعب الفلسطيني وسلطته, للنيل من صمود عباس ورفضه التفاوض مع الإسرائيليين, ورفضه التنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني, ولقد كانت فضائية البي بي سي والعربية والأقصى والجزيرة مسرحا للفريقين...

وهنا تبرز حقائق:

 

1- لم تعد جرائم الفساد المالي وخراب الذمم تهماً, بل إدانات, فلقد وصلت ملفاتها إلى سقف مكتب جرار القدوة( رئيس هيئة الرقابة) وتورط فيها كبار رجالات الحكم وقادة الأجهزة, حتى أزكمت الأنوف, وصارت أحاديث المجالس يتناقلونها بالتواتر.

 

 2- إن ممارسة هؤلاء للفجور بأشكاله لم تعد خافية, فلقد أمست أحاديث العواصم و( تسالي) أجهزة الأمن فيها, و(ريبورتاجات) مجلات الفن والمنوعات, منذ أن وطئت أقدام القادة بيروت حتى توزعوا في مشارق الدنيا ومغاربها.

 

 3- ليس جديدا ألا يلقي المسئول لها بالا, بل يكرس وجود المفسدين في مناصبهم, ويغدق عليهم الرتب, حتى كانت نكتة واقعية ( لماذا لا تغيروا فلانا لفساده ودعارته؟) فيكون الجواب ( خليه؛ لأنه شبع, أن جبت واحد تاني حيفسد أكتر ...) وعندما جيء للمسئول بصورة فاضحة لفلان, سحب المسئول من درجه رزمة لهذا الفلان في مواضع أكثر شذوذاً !

 

 4- لقد خضع رأس الهرم في النيابة العامة لنزواته وشهواته, حتى غرق فيهما, وعلى سمع الأجهزة الأحد عشر وبصرهم, وبعلم رأس النظام, فلم يحركه قيد شعرة عن منصبه, وظل يلغ في فجوره وشهواته, وحوله من القوادين والقوادات ( على رأيه) بالعشرات, وعندما مثل أمام التحقيق قال: إني بهذا مريض.

 

 5- لم يعد سراً إدمان ذا على الخمور, وتسويق ذاك لها, فإن كبار( القادة) إلا القليل قد وجدوا في الحانات أو الشوارع وقد أذهب الخمر عقولهم , وفاض ما في أمعائهم حتى اغرق أثوابهم, وتلاعب بهم صبية الحانات والراقصات وأصحاب الملاهي.

 

 6- نعم كان هناك من ينكر ويموت قهرا, ولكنهم لم يستطيعوا ليغيروا شيئا, فإن شوكة السلطان هي الحارسة الأمينة لهذه الممارسات, لضمان الولاءات والإذعان.

 

 7- إن اشتراك أبناء عباس ( بزعم فهمي) لا يضيف شيئا جديدا للصورة, بقدر ما يضيف قهرا على قهرنا .

 

 8- إن عمليات الإسقاط في مستنقع الرذيلة وتخريب الذمم والإغراق في الفساد لم يتوقف يوما ولن يتوقف, فهي الوسيلة الأنجع في يد الصهاينة لوضع الأنسب لهم في المكان الأنسب لهم أيضا, ثم الوصول إلى أهدافهم.

 

 9- دعوى تشويه عباس هي دعوى تحتاج إلى ما يثبتها, فلقد حذره من أسبابها كثير من الشرفاء, ولم يعالج الأمر, هذا إذا استثنينا المفاوضات العبثية والقبل وهي الأوسخ في التلويث والحط من كرامة المفاوض الفلسطيني .

 

 10- لنسأل النائب العام ( أين مصير السبعين مليوناً التي أعلن عن ضياعها سنة 2006) ؟ وأخيرا فإن الذي يجري لا يمكن أن يكون مجرد فساد ومفسدين ... إنما ضياع الحقوق وضياع القضية ... وأخزى الله من أخزانا .

الفساد السياسي، وأشرطة العار!