بقلم: د. أحمد نوفل
هذا عنوان مقال لكرم جبر رئيس مجلس إدارة مؤسسة روزاليوسف. وواضح فيه الإحالة والمعارضة لشعار:'الإسلام هو الحل' الذي يرفعه الإسلاميون في حملاتهم الانتخابية في الأعراس الديموقراطية العربية، ذات النتائج المضمونة في حصولها على المباركة الأمريكية، وإلا فالإلغاء هو الحل.. وانتهت القضية وانفض عرس الديمقراطية ولا عزاء للجماهير العربية. وقد أثنى على مقال 'جبر' تاجر قبطي نشره 'كرم' في زاوية مقاله، في العدد 4260 بتاريخ 5/2/2010. ولا أريد التعرض للمقالين، لكن مما قال 'سي' القبطي المذكور: 'عهد مبارك أفضل من عهد السادات للأقباط.. وأحسن من عهد عبد الناصر الذي كانت اهتماماته تنصب على دور مصر التحرري، ولم يكن له اهتمامات وتوجهات دينية قبطية أو إسلامية'
وكما قلت لست بصدد مناقشة، ولا الدخول في تفاصيل أو مقارنة بين عهود الرؤساء. فواضح أن عهد مبارك أبرك العهود، ولا نقاش!
أعتقد أن وراء المشكلة أصابع المعلم الكبير الذي نتخذه ولياً ومرجعاً. هنا بيت الداء. فكل زيارة لمبارك إلى أمريكا كان يستقبل من الأقباط هناك باحتجاجات ومظاهرات، والرد جاهز: نحن بلد ديمقراطي (مش زيكم!) كل ذلك للضغط على الرئيس وعلى مصر لمزيد من التنازل، وهو حاصل، ومتواصل! ولتظل ورقة الأقباط ناقوساً مزعجاً جاهزاً للتفجير حين الطلب!
ألم يكن العراق متعايشاً على أتم ما يكون التعايش، فما الذي دهاه بعد احتلال المغول الجدد؟ هل تغير مزاج الشعب العراقي وثقافته بين عشية وضحاها، أم أنه التحرش واصطناع الأزلام من قادة المليشيات الذين جاؤوا من الخارج على متن الدبابات الأمريكية، وصهوة 'الهمفي'.. وهؤلاء هم الذين يشعلون الفتن، ويقتلون ويروعون!
ألم يكن السودان مثالاً للتعايش؟ هذه حقيقة أعرفها عن كثب. وربما يظن أن السودان بلد متخلف، لكنه للحق في موضوع التعايش السلمي بين المتخالفين في العقائد والمذاهب مثال يحتذى بحق! ما الذي أوقع الفتن فيه؟ إنها الأصابع ذاتها! من الذي يمول جيش قرنق الذي يسميه العالم المتواطئ: 'جيش تحرير السودان' ولماذا لا يصمه العالم بالإرهاب مثلاً؟! من الذي يمول ويحرك ثوار دارفور؟ يتجاهل الناس المحركات الحقيقية للأحداث، ويمسكون بخناق بعضهم. نعود إلى أقباط مصر. الحل قطعاً في التثقيف الإسلامي الذي يعلِّم التسامح والتعايش. ويا ليت أشباه المثقفين عندنا يسمعون لما قاله عدد من الأساتذة الجامعيين في صقلية أذاعته الجزيرة: إننا ما تعلمنا التسامح إلا من حكم المسلمين لهذه الجزيرة مدة قرنين ونصف من الزمان!
أما شعار 'مصر هي الحل' فعن أي مصر تتكلمون؟ مصر التي تتبع مخطط أمريكا، وتخنق الشقيق في غزة؟! لا أتكلم عن مصر البلد والشعب، وإنما أتكلم عن العقلية التي تدير مصر في هذه الحقبة. هل عند مصر منهج فكري قيمي منضبط محدد نحتكم إليه، أم سنضطر للرجوع إلى هشام طلعت مصطفى نستمد منه الحكم والحكمة والقيم؟ ونواصل مع روزاليوسف، وقد طال غيابنا عن مناقشتها فاشتقنا لمناكفتها.
في مقال رئيس التحرير في زاويته الثابتة: 'بالمصري' كتب تحت عنوان: 'حتمية الإصلاح الديني' قال في مطلعه: 'أضحى الإصلاح الديني ضرورة حتمية'. ثم بين أن البعض يفاضل بين أولويات الإصلاح، ما بين المسار الاقتصادي، والمسار السياسي، والاجتماعي، والثقافي.. لكن كاتبنا يرى أن مسار الإصلاح الديني ضرورة أولى. ثم نفى أن يكون مراده نشوء حركات إصلاح كتلك التي نشأت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر في أوربا. إنما يقصد 'الإصلاح الديني المصري' الآن فهم ما هو الإصلاح! بعد إضافة 'مصري' أصبحت الأمور واضحة وسالكة ولا لبس فيها. وهل يقود الإصلاح مثلاً د. طنطاوي رغم الإشكالات التي أثارها طيلة عهده المبارك. فما ننتهي من ضجة أو قضية شائكة شائنة حتى يفجأنا ويفجعنا بأخت لها. فمن أزمة الربا، إلى أزمة الحاخامات، إلى أزمة الجدار، إلى النقاب.. والحبل على الجرار!
ومن يتولى الإصلاح الديني على صعيد الأقباط؟ هل يعتمد شنودة وهو رجل وطني، أم يعتمد أقباط متأمركون وهم كثر..
ثم بعد مقال الخبير أو المخبر عبد الله كمال فتحت المجلة قرابة خمسين صفحة عن هذا الموضوع. وأنقل لك بعض القراءات: 'تحقيق كبير قامت به جريدة نيويورك تايمز حول الفتاوى الإسلامية الغريبة، مثل: بول الرسول وإرضاع الكبير..' واضح الهزء القذر من الكاتب ومن مصدره نيويورك تايمز وواضح الهزل في طرح القضية كلها. من الذي يستفتي الطنطاوي في بول الرسول؟ إنها لعبة بعض الوكلاء للإساءة، وَجَدت بعض المشايخ الذين غابت عنهم مقاصد هؤلاء!
وعنوان آخر: تدخل مجمع البحوث في أزمة 'الإنشاءات الحدودية' فتح الباب أمام الخطاب المتطرف!
وهذا لعب قذر مكشوف. فمجمع البحوث آخر من يعلم ويفهم في 'الإنشاءات' والإنشاء كله! ثم ثانياً: مجمع البحوث لم يقتحم، وإنما أقحم دون إحم ولا دستور! وهل الذي يفتي بحرمة خنق المسلمين متطرف؟ فمن الذي يضبط إيقاع الإصلاح الديني بناء على هذه المقدمات؟! وإذا كان الحزب الحاكم المكون من أمثال قتلة سوزان تميم هو الذي سيتولى الإصلاح، فعلى الدنيا والإصلاح السلام!
ثم عنوان في مقالات الملف: 'الدولة المدنية (فين هيه؟) لا تعرف مبدأ الحلال والحرام (يا جدع) (ولا تعرفش ربنا بالمرة!) لأن تحركاتها محكومة بالمصلحة..' مصلحة مين وفين وامتى وازاي؟!
وفي مقال 'إسماعيل حسني' اقرأ معي هذه العناوين ص60: 'حادث نجع حمادي سببه فكر الولاء والبراء.. حسب هذه العقيدة النكراء يجب على المسلم أن يقصر مشاعر المحبة والمودة على المؤمنين فقط.. جماعة الولاء والبراء تستهين بالقيم الأخلاقية والحياة الإنسانية وبمصير الوطن..'
وهذا كله كذب بالطبع وافتراء من حسني. فمتى كانت عقيدة الولاء والبراء تستهين بالقيم الأخلاقية ومصير الوطن؟ إن الذي ضيع الوطن وسوّد مصيره هم المتاجرون الذين جعلوا ولاءهم للأمريكان.. أما المؤمن فكله مراعاة للقيم.
ثم ماذا تقول الدولة صديقتكم التي تقوم على عقيدة الولاء والبراء؟ (كما هو الظاهر والله أعلم بالسرائر)
إن الأقباط يظنون أن الدولة منحازة للمسلمين وتظلمهم هم، والمسلمون يظنون الدولة منحازة للأقباط وتظلمهم هم. والحق أن الدولة ليست منحازة لهؤلاء ولا لهؤلاء، وإنما هي منحازة للخارج! والظلم واقع على جميع الداخل!
وفي ذات الملف الذي يحمل عنوان 'الشيخ والقسيس'، تعريف بكتاب تحت عنوان كبير بخط أحمر: كتاب أشعل الفتنة الطائفية. صدر سنة 52 وأعيد طبعه هذا الأسبوع فقط. أما الكتاب فعنوانه: 'مسلمون وأقباط' لمؤلفه: 'جاك تاجر' وكما تقول المجلة: مؤلفه ليس مسلماً ولا قبطياً!
وفي الشرح تحت العنوان قال محمد عفيفي في تقديم الطبعة الجديدة: إن الطبعة الأولى صدرت سنة 51 (يعني قبل الثورة) يقول المقدم: صاحَبَ صدور الكتاب صعود المد الديني في مصر.. وزيادة التصاق الأقباط بالكنيسة (ربما كرد فعل!) ويقول المقدم إن الهضيبي اعترض على الكتاب لوجود فصل فيه بعنوان: 'اتجاه العرب إلى اتباع سياسة استعمارية' وكلف الغزالي بالرد عليه. وقال عفيفي: إن أقباط المهجر استخدموا هذا الكتاب ليثبتوا أن العرب أجبروهم على دخول الإسلام بعد الغزو العربي (هكذا). وفي الفصل الأول الذي عنوانه: حالة المسيحية في مصر قبل الفتح الإسلامي. قال فيه: إن المسيحية كانت للمصريين أداة للتحرر السياسي والتخلص من نير الحكم الروماني والبيزنطي. ولقد ظل الشعب القبطي، يقول جاك تاجر، ظل بعد انتشار المسيحية يعبد بحرارة آلهته الفرعونية. ولم يقبل المسيحية إلا بتحفظ؛ لأنها جاءته من الخارج. إن ديانة الفراعنة وآلهتهم ومعابدهم كانت تذكر القبط بمجد مصر. وفي المعبد الذي شيدته 'كليوباترا' كان يوجد صنم كبير من النحاس اسمه عطارد، وكان يحتفل به سنوياً، وتقدم له الذبائح. وظلت هذه التقاليد معمولاً بها أيام الأب إسكندر الذي قرر تحطيم الصنم، إلا أن الشعب ثار قائلاً: لقد اعتدنا إحياء هذا الصنم (كذا). وقد تربع على هذا الكرسي اثني عشر بطريركاً لم يستطع أحد منهم أن يصرفنا عنه.
وفي فصل تكلم عن الحروب الصليبية، وبين أن هؤلاء ورطوا أنفسهم في بلاد لا يعرفونها، وأن أحد المواطنين لفت نظر فيليب أوجست إلى أن (انتبه) 'مصر مفتاح سوريا' (يا قوم هذه حقائق التاريخ والجغرافيا التي يتجاهلها البعض بعد مئات السنين من هذا التاريخ!) ثم قال الكاتب إنه في الستة قرون التي سبقت عهد 'محمد علي' لم يقع حادث يستحق الذكر بين المسلمين والأقباط' (هذا باعتراف كاتب مسيحي لبناني ليس متعصباً للمسلمين بالطبع، فلماذا يا روزا تثور الفتنة في هذه الأيام؟ إذا كان المسلمون في أزمنة ما قبل تنويركم لنا، وقبل 'التنوير' الذي حمله الاستعمار الفرنسي كما تدرسون في كتب تاريخ الأدب، لم تقع منه حادثة في ستمئة سنة، فلماذا الآن والهيمنة الأمريكية على الأوطان عال العال؟) أظن أن العُقَّال يعرفون جواب السؤال!
وأصلح الله الحال. ومصر هي الحل. ولا بد من الإصلاح الديني. أي مصر هي الحل وأي إصلاح ديني هذا الذي لا بد منه؟ وهل المفسدون في الأرض يصلحون؟ وصدق مولانا: 'وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ'


