الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:34 م

مقالات وآراء

د. أحمد نوفل

أستاذ مدرس بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية
عدد مقالات الكاتب [299 ]

مصريات

حجم الخط

د. أحمد نوفل

1- الأزهر ليس للبيع!

ليس هذا تفلسفاً منا، ولا اعتباطاً، ولا افتعال موضوع من لا شيء؟ وإنما هو اقتباس مما كتبه 'محمد أبو شوشة' (غير محمد أبو شوشتنا) وهو صحفي في 'الأهرام الدولي والعربي'، فقد نقل عن الدكتور 'أحمد الطيب' رئيس جامعة الأزهر، ووضع لمقاله عنواناً: 'د.الطيب: تطوير الأزهر بأيدي أبنائه ولا تدخل للأمريكان فيه' كذا بالنص. وقال المقال أو الخبر المنقول عن الطيب: 'نفى الدكتور أحمد الطيب رئيس جامعة الأزهر تدخل أي جهات أجنبية أو خارجية في تطوير مناهج الأزهر، مؤكداً أن الشائعات المغرضة للبعض حول 'بيع الأزهر لأمريكا' وغيرها، وأنها تتدخل في تطوير مناهجه، أمر خاطئ لم ولن يقبله أي عالم بالأزهر الشريف'

يا عم أحمد يا راجل يا طيب. وهل يستشير علماءَ الأزهر أحد أو يأخذ رأيهم عندما يريد بيع الأزهر أو رهنه؟ وبعد رئاسة الدكتور سيد طنطاوي للأزهر أصبحت كل الاحتمالات مفتوحة.

أمر آخر يا أبا الطيب: لماذا تنتشر هذه الإشاعات المغرضة في مصر المحروسة عن أزهرها العتيق العتيد؟ أليس ذلك لأن الجو ملبد، وانعدام الثقة مؤكد؟ ولماذا يشيع 'البعض' عن بلدهم ما يسيء؟

يا راجل يا طيب. أرأيت إلى النقلة الهائلة التي انتقلها الأزهر في عهدكم المبارك، من الأزهر الذي كان يقود الثورة، وهو الذي قتل كليبر المستعمر الفرنسي، ونائب نابوليون على مصر، إلى أن يجاهد الدكتور الطيب في نفي تهمة الارتهان لأمريكا أو البيع الكامل لها. وليس النفي مؤكداً عدم وجود الشيء، فكثيراً ما كان النفي مؤكداً نقيضه. كما تؤكد الحكومات العراقية المتعاقبة (مثلاً ونموذجاً) على أنها ذات سيادة كاملة، وأنها لا تخضع للأمريكان، والرئيس منهم إن احتاج الذهاب للحمام استأذن الأمريكان.

ونواصل مع الراجل الطيب الدكتور أحمد الطيب الذي عرضه برنامج الجزيرة عن التصوف في مصر ضمن التصوف التابع للنظام، وأكثر من هذا هو من أكبر المدافعين عن ابن عربي وما أدراك ما ابن عربي؟! نعود إلى كلامه فقد 'أوضح أن عمر الأزهر (1070) سنة، وأنه كان وما زال يحافظ على الإسلام.' أما حكاية العمر يا عم أحمد فمش مشكلة؛ لأن السادات كان يتكلم عن حضارة مصر ذات السبعة آلاف سنة ورهنها لأمريكا فما المشكلة؟ وأما أن الأزهر كان، فلا خلاف، وأما أنه لا زال.. فلا، وهنا خلاف. كان شيخ الأزهر من صنف عبد المجيد سليم والخضر حسين أناس لهم أوزان، فغدا شيوخ الأزهر بالتعيين بلا لون ولا وزن. أليست الأوطان كلها لما صار الحكام فيها بالتعيين أصبحت بلا وزن ولا لون فأين العجب؟!

2- سيماهم:

أوحى بالحديث عن السينما المصرية التي عمرها الآن ما يزيد على قرن كامل.. أوحى به ما أنتجته السينما التركية، ودور الإنتاج الفني التركية من مسلسلات وأفلام، ومن بينها 'وادي الذئاب' وقد غطى عدة مشكلات يتعرض لها العالم الإسلامي، إن في العراق أو فلسطين أو أفغانستان.. أو ما يسميه المجرمون الغربيون والصهاينة: الإرهاب. هذا المسلسل رد على المزاعم الإسرائيلية، وكال لها بالصاع الوافي، فأثار دبلوماسيتها، التي وقفت من السفير التركي الموقف اللاأخلاقي واللادبلوماسي المعروف، فأجبرتها تركيا على الاعتذار. كل ذلك من تداعيات عمل فني. وفي الوقت الذي تعمل السينما المصرية على الترويج لتهمة الإرهاب كما في الأفلام التافهة التي مثلها عادل إمام (عدو قضايا الأمة) مثل: 'الإرهابي' و 'الإرهاب والكباب' وغيرها من أفلام السقوط.. ومسرحيات تدمير القيم، مثل مسرحية مدرسة المشاغبين التي كتبها علي سالم أحد وكلاء 'إسرائيل' في مصر.

هذه السينما المصرية المعمرة هل تبنت قضايا الأمة؟ أم تبنت الاتجاه المعاكس لقضايا الأمة؟

مثّل عادل إمام (ما غيره) فيلماً عن المقاومة المصرية (ما تفرحش)، الذي قاد المقاومة فيه: الرقاصة، والبودي جارد بتاع الرقاصة، وواحد من رواد الكباريه هو عادل نفسه، فكان يضرب طلقة ويشرب من زجاجة الخمر التي بجانبه. أما العميل معاون الإنجليز فشيخ ملتح اسمه برعي (برعي كما تعلمون أحد أعلام الصوفية في مصر!) وتأمل إيحاءات الفيلم في هذه السينما المخربة المجرمة!

أما باقي الأفلام فقد 'أبدع' يوسف شاهين (لن أناقش موهبته، لكنه أحد رموز السقوط!) في أفلامه 'الواقعية' التي أخرجها كما يقولون، ولكنها في الحقيقة والواقع لا شيء.. ولا قضية.. ولا هدف ولا إبداع! ولن أعدد باقي الفرقة. فهم بين ماركسي ومتأمرك وعبثي.. ودقي يا مزيكة! وأما الجيل الجديد من المخرجين المخربين ففاق كل من مضى.. وبخاصة المدعوة 'إيناس الدغيدي' التي تخرج أفلاماً، كما نقرأ، لا تخرجها السينما الأوروبية والأمريكية في انكشافها وسوئها..

لماذا لم تتبن السينما المصرية هموم مصر وقضاياها وقضايا الأمة؟ لماذا كانت في جل أفلامها تسيء إلى شعب مصر، بإبرازهم ما بين حشاش ونصاب وتاجر دعارة ومهرب وشارب كاس أو مقامر أو..

السينما من أخطر وسائل التثقيف الجمعي، وصنع الوجدان الجمعي، والرأي العام والوعي الجمعي والتعبئة المعنوية. وقد استغلها الأمريكان في صنع الصورة الخارقة البارعة الفائقة لأمريكا، وتبرير مذابحها للهنود الحمر، وبيان شجاعة الجندي الأمريكي في الحروب، ورسالة أمريكا في تحرير العالم، والكلام عن أفلام نبوءات التوراة التي تعبئ المجتمع الأمريكي بالتبعية للعقيدة اليهودية، وتصهين المسيحية مثل فيلم هرمجدون.

ولقد صنع عن العراق عشرات الأفلام فيها من الرمزيات ما يفوق الخيال في الإساءة للإسلام وتشويهه، والذين يشاهدون السينما الأمريكية يعرفون كم خدمت هذه السينما أهداف أمريكا و'إسرائيل' والصهيونية والرأسمالية وعمر السينما المصرية (عمر غير مبارك) قريب من عمر السينما الأمريكية، لكن (سيماهم) أقصد السينما المصرية لم تخدم لنا قضية، بالعكس، كانت رسالتها أن تهدم كل قيمة إيجابية.. وهنا مكمن البلية في الفن السابع، في السينما المصرية!

3- عزل مصر أو اعتزالها:

يعتزل اللاعبون في سن معينة إذ يشعرون أنهم غير قادرين على العطاء. ويبدو أن الدول كالأفراد.. بل هكذا شبهها ابن خلدون. وقد كتبت عن 'إخراج مصر' في حلقة سابقة، وأجدد في هذه الحلقة الكتابة في الموضوع لكن على طريقة 'وشهد شاهد من أهلها' ففي مجلة 'الأهرام العربي' (غير الدولي) عدد670 بتاريخ 23 يناير سنة 10 مقابلة مع الدكتور حلمي الشعراوي مدير مركز البحوث العربية والإفريقية بالقارة، والمسؤول عن ملف حركات التحرر الإفريقية منذ سنة 60-75، وأستاذ العلوم السياسية بجامعة جوبا في السودان، ورئيس الجمعية الإفريقية للعلوم السياسية، والأمين العام للجنة الدفاع عن الثقافة القومية في مصر. (يعني واضح أنه ليس من التيار المتأمرك الجديد!) وقد أجرى الحوار معه العزب الطيب الطاهر وأسماء الحسيني. وبدءا تقدمة الحوار بالتالي: 'ثمة غياب (طول غياب) مصري وعربي واضح عن إفريقيا، الأمر الذي شكل فراغاً كبيراً سعت أطراف إقليمية عديدة من بينها 'إسرائيل' وتركيا وإيران إلى شغله..'

'وقد أفرز هذا الغياب نتائج شديدة السلبية على وضعية مصر والعالم العربي في القارة السمراء، وأبعدهما عن دائرة التاثير في تحديد مسارات وسياقات الحركة في هذه القارة التي ما زالت تسكنها الأشواق إلى استعادة مصر لزخمها القديم فيها، خصوصاً في حقب الخمسينيات والستينيات والسبعينيات..' يعني مرحلة ما قبل السادات، وما قبل التسليم لأمريكا و'إسرائيل'.. الزمام. وتكلم الشعراوي فعبر عن خشيته من تذبذب العلاقة مع إفريقيا، والنظرة الشخصية لبعض المسؤولين المصريين، وضرب المثل بالسادات الذي تحرك مع إفريقيا من منطلق فرانكوفوني (باعتباره ينتمي إلى هذه الثقافة!!) وعمرو موسى استمر في الخارجية عشر سنين ولم ينجز شيئاً.. وقال إن مصر كانت تعيش حالة توهج في تواصلها مع القارة.. وكانت عاصمتها محط أنظار شعوبها (رحم الله أيام ما قبل السادات مبارك!) وقال عن المرحلة الحالية: ليس ثمة استراتيجية للنظام الحاكم في مصر. فبينما كان الهدف المحوري زمن ناصر التحرر والاستقلال، ونجح في عقد تحالفات، ونفى أن يكون مثل هذا الهدف للخليفة الحالي.

وفسر هذا الغياب بالتكوين السياسي.. للنظام؟ وعاد إلى المقارنة مع زمن ناصر، حيث الحديث عن مشروع نهوض. بينما السادات اتجه نحو أمريكا، وبدأ يهدد بعض دول إفريقيا بشن حرب عليها. وأنهى 13 فرعاً لشركة النصر للتصدير والاستيراد كانت في إفريقيا. ثم قارن بما تقوم به 'إسرائيل'، وأكد أن عناصر الاستراتيجية المطلوبة تجاه إفريقيا غير موجودة!

وأكتفي بهذا القدر من مقابلة غنية طويلة. وختاماًَ أقول: إن عزل مصر وتغييبها أمر ممنهج، وخطة مرتبة.. تعمل على تنفيذها قوى محلية وعالمية. فهل نعي الحقائق ونعمل على تغيير الوقائع؟! ولمصر سلام دائم.