الأربعاء 31 ديسمبر 2025 الساعة 09:22 م

مقالات وآراء

المشهد السوريالي الفلسطيني!!‏

حجم الخط

ما جرى في غزة خلال الأسبوع الماضي انجاز وطني وتاريخي فلسطيني كامل الدسم.  بعد طول صراع مع الإمبريالية والصهيونية بات عندنا بدل الحكومة حكومتين، ما يرفع أسهمنا للمطالبة بدولتين بدل دولة واحدة.  من قال أننا نحتاج الى تواصل إقليمي أو جغرافي بين الدولة الفلسطينية الموعودة؟  لقد استطعنا أخيراً حل هذه المعضلة بعبقرية فذة.  لكن لا تزال أمامنا مشكلة بسيطة: بعض الأصوات تخرج من هنا وهناك لتقول أنه لا يجوز أن يكون هذا مصير الشعب الواحد والنضال المشترك.  حسناً إذاً.. يمكننا حل هذه المشكلة أيضاً.. فليكن لدينا شعبين.  ألم ينظر أصحاب تلك الأصوات الى عمليات الإبادة والقتل والإعدامات الميدانية في القطاع، والى عمليات التصفية والإحراق والاعتقال في الضفة.. قريباً جداً سيصبح لدينا أيضاً شعبين وستحل هذه المسألة بدورها.  ومن لا يصدق ذلك فليدقق في أجهزة الإعلام لكلا الحكومتين: حكومة علمانية في الضفة تؤمن بفصل الدين عن الدولة، وهي معتدلة تحارب الإرهاب، وتريد الدخول في عملية تفاوض، وتلقي القبض على الإرهابيين في كل مكان.. وحكومة دينية في غزة تريد إقامة حكم الله، ومقاومة الاحتلال، وتقتل الخونة والمتعاملين مع الاحتلال، وتغلق أماكن الفساد العامة، وتجعل من اللباس الديني والمظهر العام على رأس أولوياتها.  لم يكن بمقدور أكثر المتفائلين ولا أكثر المتشائمين تصور ما وصل اليه المشهد الفلسطيني.  لا شك أن الدموع تتساقط من عيني الرئيس الراحل عرفات رحمه الله.. دموع الفرح أم الحزن أم الغضب؟؟ لا أحد يعلم، وليس مهماً أن نعلم!!

 

حركة حماس تقول أنها بعمليتها العسكرية في القطاع قد قطعت الطريق على فتنة ومؤامرة كبيرة كانت تستهدف إدخال الفلسطينيين في حرب أهلية دموية يسعى الأمريكيون والإسرائيليون منذ مدة لإشعالها.  امدادات ومعونات أمريكية عسكرية لحرس الرئاسة ولمحمد دحلان بهدف إسقاط الحكومة برئاسة إسماعيل هنيه، وأن ما قامت به يشبه الحرب الوقائية أو الاستباقية(!)، وهو أهون الشرين.  لا بأس!  في السياسة يمكن فهم ذلك.  وهناك أكثر من تقرير ودليل وقراءة يمكن أن تبرهن على ما تعتبره حماس رداً على تدبير أعدّ بليل للإطاحة بها.  وهي حتى قبل نجاحها في الانتخابات التشريعية تتعرض لمؤامرة كبيرة بهدف تصفيتها وإنهائها.  بل، وقد قيل ذلك سابقاً، لم تكن الانتخابات ذاتها إلا مصيدة معدة لحماس لاصطيادها، وهذا ما كان.  وأكثر من ذلك، فإن دراسة تاريخ الحركات التحررية في العالم يفيد بأنه ما من حركة تحرر إلا وقد خاضت نوعاً من الحروب الأهلية.  لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل ما قامت به حماس هو الصواب؟  وهل الممارسات الميدانية وإعدام الناس في الشارع بالطريقة التي بثتها بها وكالات الإعلام كان ضرورياً للتصدي للمؤامرة؟  وهل وصلت حماس أصلاً من وراء كل ذلك الى التصدي للمؤامرة  ووأدها في مهدها، أم أنها سرّعت من وتيرتها؟؟  وبالمثل، فإن الممارسات في الضفة لم تكن أكثر إشراقاً.. هل كان إحراق المكاتب وإعدام أنصار حماس ثأراً، وطرد مجالس بلديات منتخبة، ضرورياً لإعلان لحكومة الطوارىء؟  شارون يضحك في غيبوبته، فقد تحققت نبوءته: إخلاء قطاع غزة وإبقاؤه تحت الحصار حقق أهدافه: الفلسطينيون يأكلون بعضهم بعضاً.  والشين بيت والشاباك في إجازة طويلة ومفتوحة: مئات المقاومين من كلا الطرفين قد تم إخراجهم من اللعبة إما بالتصفية والإعدام وإما بالاعتقال والتشريد.  لقد أنجز الفلسطينيون ما كانت إسرائيل تحتاج الى أشهر وسنوات لتنجزه في غضون ساعات وأيام.  فأهل الدار أعلم بخباياه.  أما ما تبقى من المقاومين فسيكونون منشغلين خلال الأشهر المقبلة بتصفية وملاحقة بعضهم البعض.  ما جرى في الضفة والقطاع هو حرب قبلية وعشائرية بكل المقاييس، تجاوزت الصراع الفصائلي أو التنظيمي.

 

فلنكرر ما قلناه في مقال سابق قبل الأحداث بأيام: 'ما يجري في غزة يدفعنا الى التفكير الى أعمق بكثير من مجرد مناقشاة الأطروحات السياسية والنضالية الفلسطينية.. فهذا الاقتتال يكشف ويعري الحالة الاجتماعية المأساوية التي وصل اليها المجتمع الفلسطيني: جرائم قتل، انهيار أخلاقي، فساد، رشاوى، اختلاس، ميليشاوية معززة عشائرياً.. باختصار حالة مريعة من تفكك النسيج الاجتماعي.'  وعلى حد تعبير يوري أفنيري: 'لقد نجحت تجربة خنازير المختبر في غزة: إذا وضعت مليون ونصف إنسان تحت الحصار وفي أوضاع اقتصادية صعبة فإنك ستحولهم الى مجموعة من القتلة والمجرمين.  وبإمكان المشرفين على التجربة في واشنطن وتل أبيب وبروكسل أن يفركوا أيديهم فرحاً، لقد جاءت النتائج كما هو متوقع، ولم يبق سوى تأمل السلوك الذي سينجم عن خنق القطاع من خلال قطع كل صلة له بالعالم وبامدادات الحياة من وقود وماء وكهرباء وطحين.'

 

حماس أفشلت مؤامرة الانقلاب عليها من خلال الانقلاب المباغت.  حسناً!! لكن ماذا الآن؟  بالتأكيد لن يكون أمامها سوى العمل على خطين: شرعنة ما قامت به، واجراء اتصالات للتخفيف مما هو قادم.  تحتاج حماس الى تبرير عملها ليس أمام الشعب الفلسطيني الذي قد يكون أعلم ببواطن الأمور، بل الى تحويل ما قامت به الى لغة سياسية مقبولة عالمياً حتى لا تصل الى حد الاختناق في القطاع، وهو الأمر الذي بدأت تلوّح به كافة الغربان في المنطقة.  كما وتحتاج حماس الى التخفيف من وقع الصدمة على الجمهور الفلسطيني والعربي والإسلامي والعالمي.  يقول أسامة حمدان أن ما جرى في غزة قد أثر بالفعل على صورة حماس في العالم، ولكن ذلك سيبقى امراً ثانوياً.. نفهم أنه ليس بإمكانه سوى قول ذلك والظهور بمظهر المتماسك ليعطي الانطباع للمشاهدين بأن الأمور تحت السيطرة.  لكن حقيقة الأمر أن ذلك ليس أمراً ثانوياً، فالرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام رفض قتل رأس المنفاقين عبد الله بن أبي بن سلول: حتى 'لا يقول الناس أن محمداً يقتل أصحابه'!  فهو أمر غير ثانوي ولا هامشي وستكون له انعكاسات خطيرة ليس على حماس وحدها، بل على صورة النضال الفلسطيني برمته، وصورة الحركة الإسلامية المقاومة في العالم أجمع.  وقد بدأت بعض الأصوات تثير حملة إعلامية مغرضة تقارن بين غزة وكابول، وبين حماس وطالبان لتحميل حماس وزر الحركة الإسلامية كاملة.

 

لكن في المقابل، ماذا يمكن للمشرفين على التجربة القيام به؟  هل سيتركون القطاع أمام أكبر مجزرة جماعية في التاريخ البشري؟  في نهاية المطاف لا بد من فتح قنوات اتصال مع حركة حماس.  فمسألة القوات الدولية ليست جدية في نهاية المطاف.  فكم دولة مجنونة في هذا العالم يمكن أن تبعث رجالها للموت في غزة، كما يتساءل أفنيري، اللهم إلا إذا تطوعت بعض الدول العربية للقيام بهذه المهمة.  في نهاية المطاف على حماس أن تتمرن المشي على الحبل حتى لا تقع في المصيدة القاتلة: فهي تحتاج من جهة الى فتح علاقات مع أي طرف يبتسم لها في المرحلة المقبلة، وعليها أن تحاذر في الوقت نفسه من دفع ثمن باهظ قد يكون ثمنه القضية الفلسطينية برمتها، عبر خديعة دولية تتمثل في التعاطي مع حماس كأمر واقع، لكنها مشلولة في غزة، في ظل حكومة عباس المشلولة في الضفة، وبالتالي فإن أياً من الحكومتين لا يمكنه القول أنه يمثل الشعب الفلسطيني، وتكون القضية الفلسطينية هي الثمن.  عامل الوقت في هذه المسألة عامل حاسم.  ذلك أن التراخي الدولي في التعاطي مع ظاهرة الحكومتين ينبغي أن لا يفسر على أنه إعتراف مقنع وغير مباشر بقوة حماس، بل على أنه ترسيخ لانقسام فلسطيني والعمل على تعميقه بما يشطب القضية برمتها.  تتحمل حماس وعباس نفس القدر المسؤولية التاريخية في هذه النقطة.

 

ثمة بارقة أمل ضعيفة للغاية لا تزال تلوح في الأفق: إسماعيل هنيه لا يزال يعترف بشرعية الرئيس محمود عباس، والأخير لم ينزع الشرعية عن الجناح السياسي لحماس.  فهل يمكن التأسيس على هذا أم أن تطورات الوضع القائم حالياً، وتدخل الدول لاحكام الفخ سيقطع هاتين الشعرتين قريباً.  وهل سنصبح بالتالي أمام مهزلة تاريخية كبرى لا تكفي لتبريرها النوايا الحسنة ولا الشعارات الدينية أو الوطنية.