الأربعاء 07 يناير 2026 الساعة 06:00 ص

مقالات وآراء

واسطة

حجم الخط

بقلم: د. عطالله أبو السبح

 

مما يقرره فقهاء السياسة أن الأمة التي تحترم قانونها هي الأمة التي ترتقي ولا يتسلل إليها الفساد ، إذ الفساد لا يتسلل إلى أمة إلا بقدر ما تهجر قانونها ولا تحتكم إليه .

 

وما كان القانون إلا لحماية حقوق الأفراد والجماعات ، وتحقيق العدل وتكافؤ الفرص . يقرر القانون أن لكل فرد الحق في أن يحيا حياة كريمة وآمنة ، ولا يكون عرضة للأذى في نفسه أو ماله أو عرضه، ويكفل له حق العمل والتنقل والرأي، وضع الرجل المناسب في المكان المناسب ، بصرف النظر عن  حسبه أو نسبه ، كما يكفل محاسبته إذا ما تجاوز أو تعسف أو أجرم ، ففي الوقت الذي يصون حقه ، فإنه يطالبه بما أوجبه عليه بلا جور أو ظلم ، ومهمة المشرعين هي التقنين بما يحقق المصلحة العليا للأمة ولأفرادها، وإن تعارضت المصلحتان ، قدموا المصلحة الأعم على الأخص ، فإن وقع ضرر على الخاص فلا بأس إن تحققت المصلحة العامة ، ولكن بلا ظلم أو استبداد على الفرد ، ولقد أبدع فقهاء السياسة والمشرعون مبدأ فصل السلطات الثلاث ( التشريعية والقضائية والتنفيذية) وحددت صلاحيات كل سلطة وحدود عملها ، بما يحقق لها الاستقلالية طالما أنها التزمت بصلاحياتها دون تفريط  ، وإن وقع الاختلاف فهناك الأجهزة الرقابية ( المؤهلة ) التي تضبط العمل وترشد الصواب وتلزم به، كما أن هناك المجالس النيابية ( البرلمانات ) التي من شأنها أن توقف كل متجاوز عند حده ، وإلا فإن القضاء يحسم الأمر بلا إفراط أو تفريط، فإن التزمت الأمة بما قرره فقهاء السياسة والقانون حققت أهدافها وقضت على الفساد ... وفي المقابل فإن هجرت وما احتكمت إلى القانون عمت الفوضى ودب الفساد وتولى أمر الأمة أنصاف المؤهلين وأرباعهم ، بما يفضي إلى الفشل والتفكك والانحلال ، فلا حقوق مصونة ولا حريات مكفولة ، ولا يسمع لذي رأي أو حكمة ، وظهر اللصوص وانزوى الشرفاء ، وانقاد النابهون الأكفاء إلى الأغبياء والتنابلة ، وساد المنافقون، وأما المخلصون فإلى كهوف النسيان ، واختزل الوطن إلى مغارة يملكها أربعون حرامياً ، ولا سبيل لوصول علي بابا ، وتطاول المراهقون على المشرعين ، وارتوى الكرباج من دماء الأبرياء ولحومهم ... أمة يسود فيها الجهلة والمتزلفون لن تبني بل تهدم ، ولن تصلح بل تفسد ، ولن تنشر الحب بل الكراهية ،ومهما تزينت فسوأتها ماثلة لمن في عينيه عمى .. وكيف تخفى عليه وهو يسمع أن فلانا قد استلم وظيفة وقد كان في ذيل القائمة وجاره من المتفوقين ولم يلتفت إليه أحد؟ وكيف تخفى وهو يعلم أن فلانا قد صعد لأنه من ذوي القربى لعلان؟ وكيف تخفى وهو يرى اللص حرا والحر يرسف في القيود؟ وكيف تخفى ومكالمة أو وجاهة أو شفاعة هي الحكم ، وما كانت المكالمة إلا لإطلاق سراح مجرم أو النيل من كرامة برئ ، وما الوجاهة إلا لترقية من لا يستحق لأنه ابن الأكرمين ، ويحرم منها من ليس له أب من الكرام ( حسب معايير الوجهاء اللا وجهاء )؟ وكيف تخفى وما الشفاعة إلا لإغلاق ملف قاتل أو مدمن أو مغتصب دون مراعاة لمن حلت به مصائب الإدمان أو القتل أو الاغتصاب؟ وإذا ما سألت : أين القانون ؟ فتح المتزلفون والوصوليون أشداقهم بألف مبرر وذريعة ؛ فيمتلئ قلب السائل غيظا وكمدا ونكدا ، خاصة إن كان السائل حريصا ، والمسئول لا شأن له ولا وزن  ! إن الأمة في هذه الحالة ليس إلا جسدا تحتله العلل ، تبدو متماثلة متماسكة ، وهي في حقيقتها مختلفة متفككة متخبطة تائهة ، والسائد فيها هو التنافس في جمع الثروة الحرام والمكان الحرام ، والاستقواء بالحرام ، فمن رشوة إلى نهب إلى شللية فعصابات ! فكيف تبلغ أمة  -هذا حالها – أهدافها ؟ من المؤكد ؛ لن وألف لن ... هي سنة الله فيها وفي أمثالها ، فلم يمكن الله للمفسدين في الأرض ولن يمكن ، ولن يكون للظالمين مؤيدا ولا وكيلا أو نصيرا !

 

وبكل حسرة وألم أقول : إن هذا هو حال عالمنا العربي من المحيط إلى الخليج ( إلا من رحم ربي ) كما أنه حال عالمنا ( الثالث) ، أو حسب الكذبة الشهيرة ( العالم النامي ) !!فهل إلى مرد من سبيل؟