كثيرة هي الأسئلة، وكثيرة هي الإجابات المتيسرة التي لا تجيب على أي سؤال وتبقى الأسئلة بلا إجابات واضحة ما يزيد من الإرباك؛ والإحباط، رغم كل ما جرى وإمكان توصيفه وشرحه، إلا أن أحدا لا يملك أن يجيب على السؤال الأسهل: كيف كل ما جرى قد جرى، الأسئلة المشرعة تطال الجميع، وهي لا تتعلق بالمستقبل فحسب، بل وأيضا، بالماضي القريب تحديداً.
ومع إننا بدأنا نفيق من صدمة الزلزال الذي ما زالت تداعياته مستمرة، إلا أن الأسئلة لا تتوقف بل تستولد أسئلة جديدة كلما حاولنا الحصول على إجابة ما، وفي مثل هذا الوضع، نستطيع إن ننصح أنفسنا بالاستمرار في طرح الأسئلة، ولكن من دون البحث المتسرع عن إجابات، إذ إننا لن نتلقى الحقيقة أو جزءاً منها في معظم الأحيان، ومع الوقت، فان العديد من الأسئلة ستلتقي بإجاباتها الحقيقية، وربما إلى ذلك الحين، من المفترض أن نكتفي بالانطباعات.
مع ذلك، وبعيداً عن الأسئلة الصعبة وإجابتها المستحيلة، فهناك باتت حقائق على الأرض، حكومتان كل منهما تدعي الشرعية، إحداهما تسيطر على الأمن في منطقتها، وهي حركة حماس في غزة، وأخرى تسيطر على المال القادم من بعد فك الحصار، الأولى تسيطر وتهيمن على مقدرات القطاع الأمنية، لكنها غير قادرة على توفير مقومات الحياة والبقاء، والثانية تعتبر 'أم الولد' وتهيئ لنفسها التصدي لأولويات تتعلق بتوفير احتياجات أهالي القطاع كما الضفة.
الأولى، نجحت في التخفيف من صدمة الحصار الأولى، عندما توفرت المحروقات والأغذية والدواء، بعد أن سمحت إسرائيل، بإدخالها مع تصريحات بان الدولة العبرية لن تلجأ إلى خيار الحصار الغذائي، الأمر الذي بدد ولو مؤقتاً مخاوف المواطنين، خاصة وان المصادر الإعلامية الإسرائيلية أشارت إلى أنها تلقت من الحكومة الشرعية تأكيدات بأنها هي المسؤولة عن دفع المستحقات، خاصة في مجال النفط والمحروقات لشركة الكهرباء.
إلا أن بعض الأنباء التي تناقلتها وسائل إعلام مختلفة، حول نقل بعض السفارات والممثليات من غزة إلى رام الله، وان هناك بعض البنوك ستغلق فروعها في غزة، مثل هذه الأنباء، رغم عدم التحقق من صحتها، تزيد من مخاوف المواطنين وقلقهم إلى حد بعيد، باعتبار ذلك احد أهم مظاهر الحصار أن تمت وتحققت، فتعطيل الخدمات للمواطنين، هو من دون شك يصب في إطار الحصار، فحتى في حال توفر الرواتب، ونكرر في حال توفرها، فان ذلك لا يكفي لسد حاجة المواطنين في غياب الخدمات، التي تعطلت بشكل عام بنتائج سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، وإذا ما انسحبت السفارات والممثليات وفروع البنوك، فان ذلك يعني أن مؤسسات وهيئات أخرى، قد تجد نفسها مضطرة، أو مدفوعة للالتحاق بها إلى خارج القطاع، الأمر الذي يشكل حصاراً من نوع جديد، لم نألفه في الحصار المالي الذي استمر قرابة 51 شهراً.
التطمينات تأتي من كل حدب وصوب، من كل أرجاء الأرض، بداية من الولايات المتحدة على لسان وزيرة خارجيتها كوندوليزا رايس، مروراً بالاتحاد الأوروبي، ونهاية باليابان، تطمينات بأن المجتمع الدولي لن ينقلب على غزة ويتركها للحصار، وكأن هذا المجتمع الذي انقلب على غزة منذ قرابة عام ونصف، وحاصرها سياسياً ومالياً مع شقيقتها الضفة الغربية، أدرك بعد أن دفعت غزة من دماء أبنائها، ثمن هذا الإدراك المتأخر، أن الحصار لم يكن حصاراً لحركة حماس وحكومتها، بل عقاب جماعي لشعب سعى من اجل أن يشكل 'المدينة الفاضلة' بتجربته الديمقراطية الفريدة في المنطقة، بعد فوات الأوان، أدرك المجتمع الدولي، انه لم يكن يحاصر حماس، بل يمدها من حيث لا يدري أو يدري، بكل مقومات البقاء والاستمرار رغماً عنه وعن حصاره، إلا إذا كان المجتمع الدولي - خاصة الولايات المتحدة كان يسعى إلى النتيجة الماثلة أمامنا الآن، لأسباب لم نعد نملك القدرة على تخيلها، وما يجعلنا نرجح هذه الفكرة 'التآمرية'، أن الحصار، تم كسره على غزة، حسب تطمينات قادة المجتمع الدولي، فور اختلاف حكومتين متناقضتين في كل شيء في قطاع غزة والضفة الفلسطينية، الأمر الذي يسمح بالقول، أن هذا التساؤل يظل احد الأسئلة الصعبة الكبيرة التي لا إجابة فورية عليها، على الرغم من أن تقريراً أميركيا، نقلته صحيفة ألمانية، أشار إلى أن كل ما تم جاء بناء 'على خطة أميركية تهدف إلى حشر حركة حماس في زاوية قطاع غزة، والتضييق عليها إلى أن تمتثل أو تنهار، نتيجة عدم قدرتها على إدارة شؤون قطاع غزة واحتياجات مواطنيه، ومع استمرار فك الحصار عن قطاع غزة، تبقى رسائل تتجه في المحصلة باتجاه الحل العسكري، من قبل إسرائيل على الأغلب، في حال عدم امتثال حركة حماس لمتطلبات المجتمع الدولي.
ü الموجات المفتوحة
أضم صوتي، إلى الزميل ناصر اللحام، بضرورة وقف القنوات المفتوحة في التلفزيون الفلسطيني على وجه الخصوص، لأسباب ذكرها في مقالته الافتتاحية في موقع وكالة 'معاً' وأضيف إليها، أن استمرار هذه الموجة، لا يشجع إدارة التلفزيون على إنتاج مواد جديدة، ويتم ملء ساعات البث ببرامج عديمة الفائدة وأكثر ضرراً، ولا تحتاج إلى محاور مهني - كما يعتقد البعض- بالإضافة إلى أن مثل هذه الموجات، قد تكون ضرورية في بعض الأحيان، لكن استمرارها في كل حين، يشكك ضرراً كبيراً في الوضع الحساس والمعقد الذي يفرض نفسه علينا، ونطالب مع الزميل اللحام، وزير الإعلام أو الرئيس بإصدار تعليماته بوقف هذه الموجات!!

