بقلم: أ.د يوسف رزقة
((أوباما : تفاءلت أكثر مما ينبغي . إن كل جهودنا للتعامل المبكر لم تكن حيث أردت لها أن تكون . هذه مشكلة كلما سعيت لحلها تزداد صعوبة لو كنا توقعنا قدراً من هذه المشكلات السياسية لدى الجانبين في وقت سابق ربما كنا لم نثر توقعات كبيرة هكذا . أعتقد أن الإسرائيليين والفلسطينيين وجدوا أنه من الصعب للغاية عليهم أن يبدؤوا محادثات ذات معنى في ظل المناخ السياسي وطبيعة تحالفاتهما أو الانقسامات داخل مجتمعيهما. أعتقد أننا بالغنا في تقدير قدرتنا على إقناعهم بأن يفعلوا ذلك بينما كانت الأوضاع السياسية عندهم تمضي عكس ذلك . عباس يواجه تحديات متواصلة من حماس . و(إسرائيل) تجد صعوبة شديدة في التحرك بأي لفتات جسورة !! ومع ذلك سنواصل العمل مع الجانبين, والهدف حل الدولتين, تكون فيه (إسرائيل) آمنة, ويكون للفلسطينيين سيادة.))
هذه كلمات أوباما لمجلة التايميز الأميركية بعد إتمام العام الأول من ولايته . كلمات أوباما صريحة ومراوغة أيضاً . هي صريحة في الإعلان عن عام فاشل من التحركات باتجاه إحراز تقدم في المفاوضات بين عباس و(إسرائيل) ميتشل تحرك كثيراً بين الأطراف لكن حراكه كان يعاني من نقص الإرادة ومن ضعف في قوة القرار في مواجهة اللوبي الصهيوني الذي تحرك بإرادة نتنياهو.
أوباما تحرك مبكرا نحو حل الصراع من خلال ميتشل على قاعدة أن المشكلة الفلسطينية هي الملف الأسهل الذي يمكن أن يمنحه تدفقاً شعبياً جديداً . أفغانستان والعراق ملفات ساخنة تبدو مثيرة للقلق في الولايات المتحدة داخلياً, والمس بها في تحول دراماتيكي يمكن أن يحرق الأصابع الديمقراطية . أوباما ذهب إلى الملف الفلسطيني فاحترقت أصابعه فوراً حين تكلم عن تجميد الاستيطان . أوباما أدرك أن النار التي يمكن أن تشتعل بين أصابعه بالضغط على (إسرائيل) هي أكبر مما كان يتصور وهي أشد من نيران أفغانستان . أوباما قرر التراجع إلى الخلف أمام نتنياهو واللوبي الصهيوني في واشنطن, وقال بلغة مراوغة إن الطرفين مسئولان عن الفشل . هو يعلم يقيناً أن المسئول الأول عن فشله يسكن في تل أبيب . ومحاط بأيديولوجية يمينية متطرفة تمنعه من مجرد التفكير في آليات الحل . وأن عباس مسكين فاقد الإرادة أو القدرة على الاختيار, لأن ما هو معروض عليه خيار واحد فقط, جوهره مفاوضات ثم مفاوضات إلى أن تكتمل وقائع الاستراتيجية الصهيونية على الأرض, أو إلى أن ينتهي العمر.
اللغة المراوغة عند أوباما حملت الطرفين مسئولية الفشل على مدى العام الأول من حكمه, وبالغت في تعليق الأمر على المناخ السياسي وطبيعة التحالفات والانقسامات في المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي, وكأن الولايات المتحدة الأميركية لا شأن لها, صناعة المناخ السياسي السائد, لا شأن لها في الانقسامات داخل المجتمعين. أوباما يهرب من الحقيقة بلغة مراوغة تخلي مسئولية أميركا نفسها عن الفشل. ثم يعود إلى المراوغة بالحديث عن المسئولين ومواصلة العمل مع الجانبين, ويطرح عناوين كأهداف عامة (دولتين.. وأمن.. وسيادة), وهي العناوين الأكثر تداولاً في الإعلام منذ عشر سنين من المفاوضات هي هي . لقد بات الوضع الفلسطيني مأساوياً على مستوى المفاوضات وهو يلهث خلف عناوين وهمية (دولتان- وسيادة- وحدود 1967..) دون رصيد حقيقي أو واقعي لهذه العناوين حتى في الخطاب السياسي لأوباما حيث يعطي تقييماً لتحركاته وتحركات ميتشل على مدى عام من أجل التقديم في المفاوضات . المشكلة في النهاية ليست عند أوباما . المشكلة تكمن في المقاطعة في رام الله, وتحديداً في عباس نفسه.


