بقلم:أ.محمد القيق
عندما يتحول السرير إلى حجارة قاسية، والغطاء الدافئ إلى 'بطانية' مليئة بالماء والعفن, وتفوح منها رائحة الظلم والحقد، والباب المغلق بالأقفال والجدران السوداء.. فأنت في مقبرة الأحياء، زنازين التحقيق والبلاء.
تمر على الأسير في الزنازين ساعات وأيام عصيبة، فهو منعزل عن العالم الخارجي ويبقى أياماً طويلة قد تصل إلى 80 يوماً في التحقيق، كما حدث مع قيادات عظام في كتائب القسام والمقاومة من أمثال إبراهيم حامد وموسى دودين وغيرهم، وبعد التحقيق يمكث العديد منهم في مقابر العزل الانفرادي لسنوات..
لسان حالهم ليس إلا 'حسبنا الله ونعم الوكيل' وهم ينظرون إلى نافذة الزنزانة التي هي على هيئة نافذة فقط، لأنك لا ترى من خلالها إلا 'صاج' من الحديد وقضبان سميكة، فالشمس لا تعرف طريقاً لزنزانتك..
والإنسان مع كثرة التفكير بالأهل والمحيط الخارجي فإن الجوع يلازمه، ومع ذلك فالأسير يهيئ نفسه على أن لا يجوع، لأن ما يأتيه من طعام.. يحمل من الطعام الاسم فقط.
ومع قدوم مؤسسات حقوق الإنسان كالصليب الأحمر لزيارة المعتقلين تزداد الأوضاع سوءاً والطعام رائحة كريهة.
وتبقى رهينة لمزاج الجنود في ذلك اليوم، إما بإخراجك تحت المطر لساعات أو بالضغط عليك لتنظيف الساحة والسجن والزنازين.
هذا في زنازين التوقيف، أما في مراكز التحقيق فهناك جولات وجولات، وقصص وحكايات وأيام لا تمر على الأسير من طول العذاب والشبح فيها..
فحديثنا اليوم عن مراكز التوقيف، حيث يبقونك في الزنازين أول ثمانية أيام دون محاكمة ولا مقابلة، حتى تخرج إلى محكمة في ما يسمى 'عوفر' وفيه تجمع المحاكم، وهذه الرحلة إلى المحكمة تسمى 'بوسطة'، وأنت مقيد اليدين والقدمين والحافلة مغلقة النوافذ ولا يوجد فيها إلا ضوء الحافلة نفسه.
تصل إلى عوفر وتجلس في زنزانة صغيرة لا تتجاوز مساحتها ثلاثة أمتارمربعة، وبداخلها ما يقارب 15 أسيراً في حالة سيئة جدا، ففي الصيف العرق والضغط والحر والماء الساخن، وفي الشتاء البرد والمياه المتسربة من الجدران، وأنت مقيد حتى في داخل الزنزانة.
وبعد ساعات طويلة ينادي ما يعرف باسم 'السهير' أي السجّان.. على اسمك في المحكمة.. وأنت في طريقك إلى المحكمة التي تبعد ما يقارب
تصل للمحكمة وتقف أمام ضابط عسكري يدعي القضاء والقانون مع أنه شريك في الجريمة، وبكل بساطة وهو جالس في مكان مكيّف، يؤجل النظر في القضية لأيام وأيام، وتعود للزنزانة تنتظر الرجوع إلى مركز التوقيف أو التحقيق في آخر الليل في الحافلة المعتمة ذاتها.
الجدير ذكره أن د. عزيز الدويك خرج في مثل هذه 'البوسطة' من السجون ما يزيد على 150 مرة، وهذه ليست رحلة في سيارة مكيّفة، بل رحلة موت بطيء أنت بطلها.
وهكذا تنتقل البوسطة بين السجون في كل يوم وكل ساعة.. أسراكم جبال شامخة أيها الشعب المجاهد، إنهم رمز الكرامة والشرعية والمقاومة، آهات الأسرى لها صدى.. فهل وصل لمهندسي أوسلو؟


