بقلم: أحمد منصور
فى مثل هذه الأيام قبل ثلاثين عاما وتحديدا فى شهر يناير عام 1979 كان شاه إيران محمد رضا بهلوي يهيم علي وجهه فى أرجاء الدنيا يبحث عن بلد يستقبله بعدما خرج من إيران للمرة الأخيرة فى 16 يناير عام 1979 مطرودا من شعبه، بعدما أذاق شعبه الهوان والااستبداد عشرات السنين، وكان شاه إيران الذي كان يلقب بشرطي أمريكا وبريطانيا فى المنطقة، يعتقد أن الذين باع ولاءه لهم طوال سنوات حكمه سوف يقفون إلى جواره في مثل هذه اللحظات لا أن يرسلوا الأساطيل والجيوش لتحمي عرشه المتساقط كما يفعلون مع حلفاء آخرين الآن، ولكن حتى ليجد مكانا يأوي إليه بعدما أصبح طريدا بعدما كان يلقب بملك الملوك، ملك الملوك الذي أصبح طريدا هائما على وجهه لا يعرف أين يذهب وأين يقيم، لكن الشاه عميل أمريكا وبريطانيا، والشرطي الذي كان يخدم مصالهم فوجئ بأن البريطانيين الذين كان يعتقد أنهم سيهبون للترحيب به، يبلغونه بأنه شخص غير مرغوب فيه، وقد كشفت الوثائق البريطانية التى أفرج عنها خلال الأيام الماضية أن شاه إيران تقدم بطلب إلى الحكومة البريطانية التى كان يرأسها جيمس كالاهان ـ فى ذلك الوقت ـ يطلب فيه اللجوء بعائلته إلي بريطانيا عبر وساطة قام بها أحد الصحفيين البريطانيين، لكن جيمس كالاهان رئيس الوزراء البريطاني كتب بخط يده علي الطلب الذي تقدم به الشاه للحكومة البريطانية قائلا : 'أكره لأسباب إنسانية أن أرد طلب الشاه، لكنه شخصية مثيرة جدا للجدل فى إيران، وعلينا أن نفكر فى مستقبل علاقتنا فى هذا البلد، وننتظر لنعرف كيف ستستقر الحكومة الجديدة فى طهران، ثم نتقدم منهم بطلب لنعرف رد فعلهم' أما ديفيد أوين وزير الخارجية البريطاني فقد قال إنه لا يرى مبررا لتعريض حياة البريطانيين المقيمين فى إيران للخطر ومن ثم علينا ألا نواصل تشجيع الشاه على عدم المجيء للإقامة فى بريطانيا.
هكذا باع البريطانيون عميلهم، باعوه بثمن بخس إلى عدوه اللدود آية الله الخميني حاكم إيران الجديد، حيث سيعرضون مصير الشاه عليه، ويأخذوا موافقته، هكذا وضعوا مصير الشاه بين يدي أعدى أعدائه .
عاد آية الله الخميني إلى طهران برعاية غربية ـ حيث كان يقيم في باريس ـ فى الأول من فبراير عام 1979، وانتهى مصير الشاه الذي أخذ يبحث عن مكان لا ليعيش فيه، فالحياة عنده كانت قد انتهت، ولكن ليموت فيه، وأخذ يدور من بلد إلى بلد حتى استقبله في النهاية الرئيس المصري أنور السادات في مصر حيث كان مصيره الأسود ينتظره، ومات بعد فترة وجيزة، ودفن في مصر غير مأسوف علي؛ه ليضرب مثلا سيظل قائما على مدار التاريخ لكافة الحكام الذين يبيعون أوطانهم وشعوبهم لأعدائهم، كيف يكون مصيرهم في النهاية، وكيف أن أعداءهم بعد سقوطهم يعتبرونهم كالورقة الجافة التى تسقط من الشجرة لا يعيرها أحد اهتماما، أما مكانتهم في التاريخ فلا تكون سوى مزبلته، لتبقى الأجيال تصب عليهم اللعنات إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومصير الشاه كان مصير كثير من العملاء الأمريكيين والغربيين، لاسيما الذين ظلوا يخدمون الغرب عقودا طويلة ثم تخلي عنهم الغرب في النهاية وتركهم يلقون مصيرهم دون أن يأسف عليهم أحد، حتى إن بعضهم يقضون باقي حياتهم في سجون الولايات المتحدة مثل ديكتاتور بنما نورييجا الذي كان عميلا رسميا للسي آي إيه، والعجيب أن سيناريو نهاية كثير من هؤلاء العملاء يتكرر أمام الآخرين دون أن يتخذوا منه نموذجا يدفعهم للتفكير في تغيير الولاء من الولاء للأعداء إلى الولاء للشعوب والأوطان، لكن الله يعمي دائما أبصارهم، ويطمس دائما على قلوبهم، فعلى سبيل المثال ما يحدث في دول عربية كثيرة هو نفس الذي واجهه شاه إيران في سنواته الأخيرة، فقد ظلت المظاهرات والإضرابات تملأ إيران لعدة سنوات قبل أن يسقط الشاه، حتى إنها كانت تصل إلى أبواب قصر الحاكم، وكان الشاه ينظر إليهم على أنهم مجموعة من الرعاع لا يملكون شيئا سوى التظاهر، بينما كان جهاز مخابراته السافاك يعتقل ويقتل ويعذب كل من يعارض الشاه، كما كان الشاه يملك جيشا قويا وأجهزة أمن باطشة، كل هذا انهار في يوم وليلة، ووجد شاه إيران نفسه بلا مأوى وبلا أنصار وبلا جيش ولا أمن، وأخذ يوسط صحفيين ممن كانوا يلتقونه لإجراء الحوارات معه لدى الأمريكيين والبريطانيين حتى يوفروا له مأوى، لكنه في النهاية مات طريدا غريبا؛ لأنه باع وطنه وشعبه فتخلى عنه الجميع، هذا المصير ينتظر كل من ينهج نهج الشاه من الحكام، حتى لو كان يملك جيشا قويا وأجهزة أمن باطشة، فالأيام دول، ومن يظلم الناس تدور عليه الدوائر، ومن يبيع وطنه وشعبه بعرض من الدنيا تنقلب عليه الدنيا بكل ما فيها، ويموت ذليلا غريبا، ولعلنا نرى تكرارا لهذا النموذج مع عملاء آخرين عما قريب.

