الإثنين 28 سبتمبر 2020 الساعة 05:16 ص

مقالات وآراء

منح الشرعية وحجبها ليس لعبة !!‏

حجم الخط
كثيرون يتحدثون عن ضرورة تصرف الرئيس محمود عباس بصفته رئيسا للفلسطينيين جميعاً، وليس لفرقة منهم على حساب أخرى، ورغم ذلك فإن نوازع الحزبية بدت طاغية على قرارات الرئيس الأخيرة كما بدت على قرارات أخرى سابقة، لاسيما قراره باعتبار ما أسماه 'مليشيات حماس' -أي كتائب الشهيد عز الدين القسام- خارجة عن القانون بدعوى قيامها بـ 'عصيان مسلح'، وذلك في إشارة لما قامت به مضطرة من تطهير لقطاع غزة من أصحاب الأجندة والمشاريع غير الوطنية، هذا إلى جانب تصريحات عديدة لشخصيات فتحاوية مفادها أن حركة حماس خرجت من إطار 'الشرعية' إثر سيطرتها على قطاع غزة، الأمر الذي يطرح أسئلة عديدة عن مصدر الشرعيات وعن الذي يحجب ويمنح هذه المسماة 'الشرعية'.
 
إن قرار الرئيس عباس بعدم شرعية كتائب القسام لا قيمة له على أرض الواقع؛ لأن الشرعية ليست مجرد قرار يصدر عن هذا الشخص أو ذاك مهما علا منصبه، وكان الأجدر أن يصدر مرسوم من قبل الرئيس عباس بتجريم من اعتدوا على المؤسسات الخيرية والتعليمية والصحية في مدن الضفة الغربية أمام عدسات وسائل الإعلام وبوجوه مكشوفة، لاسيما أن هذه المؤسسات وإن كانت تابعة أو قريبة من حركة حماس فإنها تقدم خدمات للمواطنين في نهاية المطاف، والاعتداء عليها هو حرمان للمواطنين من خدماتها.
 
ولعل من نافلة القول: إن شرعية أي إطار فلسطيني في مجتمعنا الرازح تحت نير الاحتلال الإسرائيلي إنما تنبع من عطائه وتضحياته، لاسيما أن الحديث يدور عن جناح مسلح لطالما أذاق الاحتلال العلقم ومرغ أنفه في التراب مرات ومرات، كما أنه يقود مشروع المقاومة بجدارة منقطعة النظير، وليس أدل على ذلك من قدرته على إخفاء جندي إسرائيلي في نطاق ضيق قرابة عام كامل رغم كل أدوات الاحتلال واستخباراته، عدا عن إبداعه في عملية الأسر 'الوهم المتبدد'، والتي دفعت أحد قادة الاحتلال الأمنيين للإشادة بمهارة منفذي العملية وبسالتهم.
 
فضلاً عن ذلك فإن للرئيس عباس موقفاً منبوذاً تجاه حق شعبنا الشرعي في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، حيث سبق له التجرؤ على تضحيات الشعب الفلسطيني حينما وصف العمليات الاستشهادية بما لا يليق دون أدنى احترام لمشاعر أهالي الشهداء الذي قضوا في سبيل تحرير الوطن ورد العدوان الإسرائيلي عن أبناء شعبهم، كما أن المتابع لأداء الرئيس محمود عباس منذ فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية، يجد نفسه أمام رزمة من القرارات المتسرعة والمتخبطة، فضلاً عن كونها تقود الساحة الفلسطينية نحو المجهول والانقسام، دون أدنى مراعاة للمصلحة الوطنية العليا المتمثلة بضرورة الحفاظ على وحدة الشعب والوطن، ولعل ما يؤكد ذلك تلك القرارات الخارجة عن سياق الإجماع الوطني التي اتخذها الرئيس عباس، حينما دعا إلى إجراء استفتاء شعبي على وثيقة الوفاق الوطني في أولى جلسات الحوار الوطني حول الوثيقة، وكذلك دعوته لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة قبيل إبرام اتفاق مكة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، فهذه القرارات ظاهرها البحث عن مصلحة الشعب الفلسطيني وباطنها الانقلاب على نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت مطلع عام 2006.
 

إن قرار الرئيس باعتبار ما أسماه 'ميليشيات حركة حماس' خارجة عن القانون، لقيامها بما أسماه أيضا 'العصيان المسلح على الشرعية الفلسطينية ومؤسساتها' يشكل سابقة خطيرة بأن يتم تجريم إطار فلسطيني مقاوم بمراسيم رئاسية، وينذر بخطوات غير محسوبة لمحاربة كتائب القسام من قبل الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية تحديداً، الأمر الذي يشغل الساحة الفلسطينية بحالة صراع دائمة ويجعل مواجهة الاحتلال أمراً ثانوياً.

إن الرئيس محمود عباس مدعو اليوم قبل الغد لمراجعة جدية وحقيقية لكافة القرارات التي أصدرها مؤخراً، خاصة أن تداعياتها كبيرة على مجمل القضية الفلسطينية، وانعكاساتها خطيرة على وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة نسيجه الاجتماعي في الداخل والخارج، عدا عن ذلك فإن العودة إلى طاولة الحوار الوطني تمثل الخيار الأسلم والأفضل لمعالجة الأزمة الراهنة، وغير ذلك فهو تضييع للقضية الوطنية انتصاراً لنوازع حزبية ضيقة واستهتاراً بمستقبل الشعب الفلسطيني، فيما التاريخ يسجل لنا أو علينا.