الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 07:05 م

مقالات وآراء

الرأي العام مع حماس وشروطها

حجم الخط

بقلم: مصطفى الصواف

 

فشلت (إسرائيل) خلال عملية التفاوض حول صفقة الأسرى، والتي بلغت مبلغا لم تبلغه أي قضية تفاوض بين الإسرائيليين وغيرهم من فلسطينيين أو لبنانيين، واستخدمت (إسرائيل) كل الوسائل الدعائية والإعلامية، واللاإنسانية بشتى أنواعها من أجل التأثير على أهالي الأسرى، وعلى الأسرى أنفسهم، وعلى عموم الشعب الفلسطيني؛ بهدف الضغط على حركة حماس التي نجحت حتى الآن في إدارة عملية تفاوض ناجحة، ولم تتأثر بكل ما قامت به إسرائيل من تسريب معلومات غير حقيقية وخلط للأوراق وترويج إشاعات بهدف إحداث بلبلة؛ ولكنها لم تؤت ثمارها، بل جاءت بنتائج عكسية زادت من حجم الضغط من قبل الرأي العام الإسرائيلي على حكومة نتنياهو؛ من أجل التوقيع على الصفقة وفق شروط حماس.

 

واليوم تطالعنا وسائل الإعلام بوسيلة جديدة، علها تنجح في تأليب الشارع الفلسطيني ضد حركة حماس؛ من أجل التنازل عن بعض شروطها في الصفقة، حيث تقول: إن حركة حماس تمارس ضغطا على أهالي الأسرى الفلسطينيين؛ لإسكات صوتهم، بقصد أخذ زمام السيطرة على العملية التفاوضية الجارية حول الصفقة الرامية للإفراج عن أبنائهم، مقابل الإفراج عن الجندي الإسرائيلي الأسير غلعاد شاليط.

 

والحقيقة أن الذي يشجع المفاوض الفلسطيني حول الصفقة، هو الموقف الجماهيري العام، وموقف أهالي الأسرى الخاص، الذي يساند ويعاضد حركة حماس، ويدعمها بشكل كبير،  الأمر الذي زاد من تمسك المقاومة بمواقفها، ويمكن القول إن أهالي الأسرى أكثر تمسكاً بالشروط التي تصر عليها حركة حماس، بل البعض منهم يرى أنها شروط لا تلبي مطالب أهالي الأسرى.

 

وما يدلل على ذلك أن أهالي الأسرى يقفون ضد ما يطرحه الإسرائيليون من فكرة إبعاد بعض الأسرى إلى خارج الضفة وغزة، وهذا الموقف يجعل حركة حماس تتوقف مليا أمام هذه القضية، ولا تتخذ فيها قراراً، إلا إذا كان قرارا نابعا من الأسرى أنفسهم، وليس كما تريد (إسرائيل).

 

ولا اعتقد أن هناك ديمقراطية أكثر من هذه التي تمارسها حماس مع الأسرى أنفسهم، أو مع ذويهم على عكس الجانب الإسرائيلي الذي يرفض الاستجابة إلى الرأي العام داخل المجتمع الإسرائيلي، والتي أظهرت كل استطلاعات الرأي أن غالبية الجمهور الإسرائيلي مع إتمام الصفقة بشروط المقاومة، وإعادة شاليط إلى أهله، إلا أن التعنت لدى المسئولين الإسرائيليين سوف يطيل مدة بقاء الأسير شاليط رهن الأسر، وربما تفشل (إسرائيل) كل الجهود المبذولة؛ ويصبح مصير شاليط مجهولا، ثم تدعي المؤسسة الأمنية بأن المجتمع الإسرائيلي فيه جدل حر ديمقراطي حول الصفقة ،أما في غزة تقوم جهة واحدة بإسكات آلاف العائلات الفلسطينية وتتجاهل معاناة جميع سكان قطاع غزة، الذين يعتبرون الصفقة مفتاحا رئيسيا لضمان واقع اقتصادي وأمني أفضل.

 

هذه المحاولات الإسرائيلية لدق الأسافين، وزعزعة الموقف الفلسطيني الموحد، لن تؤتي ثمارها لأن درجة الوعي لدى الفلسطينيين عالية، وحالة الإدراك لعمليات الإسقاط النفسي على الشعب الفلسطيني مكشوفة أيضا، وهذه الألاعيب التي تقوم بها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عبر الحرب النفسية غير ناجحة؛ لأنها سبقت وأن مارست مثلها في قضايا مختلفة، ولم تنجح لأن المجتمع الفلسطيني بات يتمتع بدرجة عالية من المناعة ،  كما أن ثقة الجمهور الفلسطيني بحركة حماس ليست خفية على أحد، وهي أكثر في موضوع صفقة التبادل، وهذه الثقة ليست فقط من ذوي الأسرى من حركة حماس، بل من كل عائلات الأسرى بمختلف انتماءاتهم التنظيمية، لأنهم يعلمون أن هذه صفقة وحدة وطنية، وليست صفقة حزبية، أو فصائلية كالرشاوى التي قدمت في مرات عدة لتنظيمات فلسطينية لدعم من يقف على رأسها.

 

ننصح الجهات الأمنية الإسرائيلية باختصار الطريق وتوجيه جهدهم نحو القيادة السياسية الإسرائيلية للتوقف عن المماطلة والتسويف وإضاعة الوقت، والإسراع في الموافقة على الصفقة بشروط المقاومة؛  لأنه لم تعد هناك طريق إلا طريق الموافقة على الصفقة ودفع الثمن بعد فشل كل الطرق الأخرى.

 

نؤكد مرة أخرى، إلى خبراء التصيد في المياه العكرة وإلى كل أعوانهم، أن يوفروا الجهد والوقت ويكفوا عن محاولة اختراق الجبهة الداخلية الفلسطينية؛ لأنها تبدو أكثر تحصينا وأكثر ديمقراطية من ديمقراطياتهم المزعومة، و'الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون'.