بقلم: عصام العريان
دخل الإخوان المسلمون في مصر مرحلة جديدة بإعلان نتائج انتخابات مكتب الإرشاد الجديد، والتي تمت وسط غبار إعلامي كثيف وملاحقات أمنية متواصلة، وعاصفة من الخلافات لم تهدأ منذ شهور، كانت نهايتها خلافا شديدا بين المرشد العام وغالبية أعضاء مكتب الإرشاد الذي انتهت ولايته بالانتخاب، ثم بين النائب الأول للمرشد العام د. محمد حبيب والأمين العام وغالبية أعضاء المكتب في مرحلة الإعداد للانتخابات، وبينه وبين المرشد أيضاً على موعد الانتخابات وآلياتها.
وقد تمت هذه الانتخابات بعد رجاءات كثيرة متعددة قامت بها القيادات العليا والوسطى لدى المرشد العام للتجديد لولاية أخرى، أو للبقاء لسنة، ولكنه أصر على الوفاء بتعهده والتزامه الذي قطعه على نفسه عند بدء ولايته الوحيدة؛ ألا يجدد لولاية ثانية، وأعلن أنه لن يبقى في موقعه ولو يوماً واحداً مهما كانت الظروف. مؤكداً أن الإخوان قادرون على إدارة شؤونهم، وأنه لا يحب أن يرتبط الاخوان بشخص مهما كان، ودعا إلى إعمال آليات الشورى والديمقراطية، ورغّب الإخوان في التغيير والتجديد، وعدم الركون إلى ما ألفوه واعتادوا عليه، في درس بليغ للإخوان ولكل العاملين في الحقل العام.. في موقف قد يجُبُّ ويشطب العواصف التي أثارها طوال ست سنوات، بتصريحاته النارية وزلات لسان لا يخلو منها إنسان، وبساطة وتلقائية أدّت إلى استغلال إعلامي، حاول أن يشوّه صورة الرجل ويهينه ويشطب تاريخه الوطني والدعوي والاجتماعي الواسع.
كان من المقرر لائحياً أن يرحل المرشد في هدوء، ويترك موقعه للنائب الأول د. محمد حبيب حتى يحلّ موعد الانتخابات القادم بعد ستة شهور في يوليو 2010، ولكن كان من الواضح أن غالبية المكتب القديم لا تتوافق مع النائب الأول في كثير من الملفات، وفي طريقة إدارة العمل، وتفجرت تلك الخلافات عقب عيد الفطر، وتطايرت الأحاديث الصحفية من أطراف الخلاف الذي ظهر للعلن في سابقة أخرى لم يعهدها الإخوان في عصرهم الحديث، وإن كانوا مروا بها في تاريخهم القديم والوسيط في عهدي الإمام البنا وخليفته الهضيبي الأب.
لتلك الأسباب ولإصرار المرشد على الرحيل، ولقطع الطريق على حالة القلق والانزعاج التي أصابت جموع الإخوان في مصر والعالم، تم استفتاء مجلس الشورى الحالى على أمرين:
الأول: هل يتم انتخاب لكامل أعضاء المكتب؟ فكانت الأغلبية مع تجديد كامل لأعضاء المكتب.
الثاني: موعد الانتخابات الذي كانت نتيجة الاستفتاء الثاني مزيلة للالتباس بشأنه، نتيجة حالة القلق بالإسراع فيها، وساعد على ذلك رذاذ التصريحات التي لم تتوقف، رغم أن مجلس الشورى الجديد والذي من المفترض أن يجري الاختيار من بين أعضائه لم تكتمل إجراءات انتخابه.
وعندما يثير البعض مدى قانونية هذه الانتخابات ومشروعيتها، ويتحدثون عن ضرورة الإجماع، ينسون أن هذا الإجماع مطلوب في المجالس التنفيذية عندما يتم اتخاذ قرار ما بالتمرير، أما المجالس الشورية وعملية الانتخاب بالذات التي يتم فيها التفضيل بين مرشحين عديدين فإن الإجماع يكون مستحيلا؛ لتشتت الآراء، وبالتالي يكون اشتراط الإجماع من طلب المحال، ويكون الرجوع إلى قواعد الأغلبية هو الأسلم، خاصة مع الأخذ في الاعتبار الظروف القاسية التي تمنع الاجتماع ودواعي السلامة والأمن، وعدم الرغبة في استمرار العمل بمادة الطوارئ التي عطّلت مجلس الشورى طوال السنوات الـ 15 الماضية.
نطلب جميعاً الكمال ولكننا لن نصل إليه، وستظل أخطاؤنا تلاحقنا، مع الإخلاص والصدق والرغبة في تصحيحها نستطيع أن نكمل المسيرة التي تحتاج إلى الكثير من الصبر والمثابرة والمرابطة وتقوى الله تعالى.
أدت العجلة لمواجهة الموقف إلى بعض الأخطاء، ولكنها لا تقدح في مدى مشروعية الاختيار، اللوائح بها عوار ونقص وتحتاج إلى مراجعة شاملة، والسبب الرئيسي هو عدم تفعيلها بشكل كامل، وليس هناك اعتراض على تلك المراجعة التي يجب أن تتم في هدوء دون ضغوط حتى تؤتي أكلها.
هناك خلافات في الآراء، ولكن هناك في المقابل إصرارا على وحدة الصف، وقطع الطريق على الشيطان وفيروس الانقسامات.
هناك عوائق تمنع الإخوان من الاجتماعات العلنية، ولكن في المقابل هناك إصرار على إعمال الشورى وآليات الديمقراطية، وإنهاء ستار السرية الذي يفرضه الأمن على الإخوان.
هناك ركود واعتياد على الإبقاء على القديم، ولكن في المقابل هناك رغبة قوية في التجديد والتغيير وضخ دماء جديدة.
هناك أزمة حاليا، ولكن سبقتها في تاريخ الإخوان أزمات أشدّ وأخطر في نهاية الثلاثينات ومنتصف ونهاية الأربعينات وبداية ومنتصف الخمسينيات من القرن الماضي الميلادي، وقد كان إصرار الإخوان على تجاوز تلك الأزمات والتغلب عليها قوياً مهما كانت الخسائر.
هذه الجماعة قد تضعف، ولكنها سرعان ما تسترد عافيتها.
قد تمرض، ولكنها لا تموت.
قد تتعثر في طريقها، ولكنها سرعان ما تقف على قدميها، وتمضي في طريقها من جديد، رافعة الرأس، شامخة تعلي راية الإسلام وتدافع عن قيمه ومبادئه، وتجتهد في تطبيقها.
قد تتعرض للأزمات والمحن، ولكنها تخرج منها بعافية أكثر، وتصميم أشدّ على مواصلة المسير، مهما كانت مثخنة بالجراح.
يقول المحللون والمراقبون الذين لا يعيشون ما يعيشه الإخوان، أن تياراً انتصر على تيار، ويسعون إلى تقسيم الإخوان إلى محافظين وإصلاحيين، أو إلى متشددين ومعتدلين، وينسون حقائق جليّة واضحة:
- أن هذه الجماعة كلها إصلاحية؛ قامت لإصلاح النفس والبيت وإرشاد المجتمع وإصلاح الحكومات.
- أن الفرد الواحد قد يكون في بعض مواقفه وآرائه متحفظاً أو محافظاً، وفي غيرها إصلاحياً مجدّداً.
- أن الجماعة تسعى – وإن ببطء – إلى التجديد والمراجعة المستمرة.
قد تكون أمانيَّ عند البعض، أو أوهاما عند آخرين، أو أخطاء في التحليل عند المحللين، ولكن يبقى الحب في الله، والأخوة الصادقة هما ضمان احترام الاختلاف، وعدم الانزلاق إلى الانقسام.
لقد أعلن الأخ الحبيب د. عبد المنعم أبو الفتوح الذي قضى أكثر من نصف عمره حتى الآن في مكتب الإرشاد أنه لا يرغب في التجديد، ولا يرغب أن يطرح أحدٌ اسمه لموقع المرشد، ووصلت رسالته إلى الإخوان، ولكنها لم تصل إلى الذين يحللون نتائج الانتخابات.
نعم أخفق النائب الأول د. محمد حبيب في الحصول على ثقة أعضاء مجلس الشورى لعضوية المكتب؛ لأنهم رأوا أن اختياره للعضوية وعدم اختياره لموقع المرشد، وتركه لموقع النائب الأول سيكون أمراً صعباً، وكان الأفضل والأوفق والأجمل هو التوافق والتصالح على ذلك بمصارحة مرّة قبل إجراء الانتخابات، ويجب أن نتعود على ذلك بسلامة صدر وإخلاص وتجرد لله، ومواجهة ومكاشفة. وهذا ما نصحت به قبل الانتخابات، ولكن سارت الامور في مسارها المقدور ولله الأمر من قبل ومن بعد.
هل طويت تلك الصفحة من الأزمات ؟
فد يظن البعض ذلك، ويتمنى الشباب لو لم يمروا بتلك الحالة النفسية الصعبة، ولكني أعتقد أن المهم هو كيف تكون الاستفادة من دروسها لمواجهة تحديات المرحلة القادمة قبل طيها وتجاوزها، وفيها دروس عديدة.
أهم تحديات المرحلة القادمة هي استعادة ثقة الصف، وخاصة الشباب، وفي هذا الصدد يجب البدء في تعديل اللوائح وتصحيحها واستكمالها، وإعمال المادة الخاصة بعدم تولي موقع تنفيذي لأكثر من دورتين على كل المستويات التنفيذية، واعتبار كل المدد السابقة مدة واحدة، والمدة التي بدأت بالانتخابات الأخيرة هي المدة الثانية.
وكذلك البدء فوراً في دراسة آليات لتفعيل مجلس الشورى العام، ومجالس شورى المحافظات؛ بفصلها بقدر الإمكان عن المكاتب الإدارية والتنفيذية، وقرأت اقتراحاً أن يختار مجلس الشورى رئيساً له غير المرشد، ومن غير أعضاء مكتب الإرشاد، وكذلك أميناً عاماً، ويشكل من بين أعضائه لجاناً لمراقبة أداء المكتب.
هذه الاقتراحات تأتي عبر القنوات التنظيمية، وقد نقرؤها في الصحف تأتى من الإخوان، وقد يكتبها أصدقاء ومحبو الإخوان، أو حتى نقرؤها في نقد خصوم الإخوان أو المراقبين للشأن العام، ولكنها يجب أن تكون تحت نظر جميع الإخوان، خاصة المؤسسات المعنية، وفي مقدمتها مكتب الإرشاد الجديد، ومجلس الشورى.
وكان هناك اقتراح بتشكيل لجنة قضائية لحسم الخلافات، والتحقيق في أية تجاوزات، وهذا يحتاج إلى تفعيل نصوص اللائحة التي أقّرت ذلك.
وترسيخ الأخوة الصادقة يبدأ بسلامة الصدور التي أثقلتها خلال الشهور الأخيرة غيوم كثيفة من الخلافات.
هذه الخلافات لا تحسمها الانتخابات، ولا الفوز بمقاعد، ولكن الحوار الموضوعي الهادئ في ظل الحب في الله، والرغبة في معالجة الأخطاء بعد الاعتراف بها.
إذا نجح الإخوان في استعادة الثقة في أنفسهم؛ بطيِّ تلك الصفحة، فسيكونون أقدر على مواجهة حملات التشكيك والتشويه التي رسخّت صورة سلبية عنهم، وبالتالي يستعيدون ثقة الناس ويكملون مسيرتهم ومشروعهم لنهضة الأمة، ويقدمون على مواجهة التحديات الخارجية باقتدار، بإطلاق المبادرات الفردية، وتوظيف طاقات الأفراد في ظل الحب في الله، والعمل في إطار الخطة العامة للجماعة واستراتيجيتها المقررة.
{ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} صدق الله العظيم


