الثلاثاء 27 يناير 2026 الساعة 12:38 ص

مقالات وآراء

تحريم الصور !!

حجم الخط

بقلم د.خالص جلبي

 

حين وقف الصحفي والمستشرق الألماني (بيتر شو لاتور) في حماة عام 1982م راعه أمران؛ حجم الدمار، وحجم الصورة المعلقة فوق الدمار!!

 

لقد كانت حماة المدينة الأثرية من أيام روما بنواعيرها الأثرية، غارقة في الدم، تعزف مراثيها في نحيب عميق، بعد قصفها المجرمون براجمات الصواريخ وأرجن ستالين، وفقدت ثلاثين ألفا من أبنائها!!

 

أما الصورة فكانت للطاغية البعثي، الذي ارتفعت صورته بحجم جبل، فوق مآذن من الجماجم، مذكرا بأتيلا وتيمورلنك!

 

تنهد بيتر شو لاتور وقال؛ لم أكن أفقه معنى تحريم الصور، حتى رأيت جبل الجثث، وحجم الصور بمقدار جبل!!

 

العقل الأصولي أو (النقلي) جامد بين النصوص يتأملها، مثل حشرة العت تتنقل بين السطور بدون فقه حرف واحد!!

 

والعقلي الحركي النقدي، يفهم العلل؛ فيحرك النصوص وفق عللها..

 

ومنها تحريم الصور..

 

وحين حرم الإسلام الصور لم يحرمها لذاتها بل لعلة فيها، فإذا كانت على شاكلة حماة كانت حراما وطغيانا، وإذا كانت لوحات رامبرانت ومونييه ودافينشي كانت حلالا مباحا مطلوبا!!

 

ولكن كامل الفن تم اغتياله بنصوص الفقهاء، ومنها اغتيال العقل أيضا بأحكام الردة، فعاش العقل الإسلامي ظلال الخوف سارب بالنهار معتم بالليل..

 

ولكن بين العقل الأصولي النقلي المحنط وهذه المفاهيم عرض مجرة الأنردوميدا 150 ألف سنة ضوئية..

 

والسبب هي ليس في الواقعة، بل في البناء المعرفي كلية..

 

ومنه إذا أردنا تحريك المفاهيم، وإدراك عللها، أن نحرك العقل الكسيح، بتمرينات هي أصعب من المشلول في مصحات النقاهة..

 

بسبب طول الكساح وتيبس المفاصل..

 

طال عليهم العمر فقست قلوبهم..

 

وقساوة القلوب هنا هي نشاف العقول..

 

صم بكم عمي فهم لايعقلون ولا يفقهون..

 

وعصارة الحياة في العالم الإسلامي قد جفت منذ أيام ابن خلدون ولسان الدين الخطيب وابن تيمية وابن قيم الجوزية، ودمار بغداد بالحصادة المغولية..

 

ومن صنع الحضارة الحالية هي العبقرية الأوربية، فنحن لم نساهم غرباء معادين لها، لانحسن بنائها ولا صيانتها، وتنهار البنية التحتية مثل ذوبان آيس كريم في صيف لاهب، وهذا أحد أسرار صعوبة التكيف مع المعاصرة، وصدم البرجين في نيويورك، وحرب البوسنة وكوسوفا، وحكومة طالبان، والمذابح المذهبية عند دجلة، وسواطير الجزائر، وتفجيرات بالي ومدريد،  وعسكرة المجتمعات العربية بالخرسانات المسلحة من المطار إلى المطار، وانقلاب الجمهوريات إلى جملوكيات، ونمو دناصير لاحمة من الأجهزة الأمنية، وانقلاب الدول إلى مزراع لعائلات إقطاعية مسلحة حتى المخالب والأسنان، وتحول مجالس الشعب إلى مملكة قرود للتصفيق والهتاف إلى حد النباح..

 

ألا إنهم من شركهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون..

 

لايمكن في الوقت الراهن إصدار رخص قيادة السيارة والتعريف بالشخصية ودخول المشافي والبحث عن شريكة حياة في الانترنت وتتبع المجرمين إلا بالصورة..

 

ومن يحرم الصورة يعيش خارج إحداثيات التاريخ والجغرافيا، بسبب عمليتها وعدم الاستغناء عنها، والحاجة الضرورية لها..

 

ولكن صور البورنو ( الأباحية Porno) وتعليق أصنام الصور في المطارات   للشخصيات السياسية، هي علة العلل في التحريم بسبب تقديس الأشخاص، وتحويلهم إلى آلهم من دون الله يعبدون..

 

والعبادة هي باتباعهم في الحق والباطل بدون نقد ومراجعة، كما هو الحال في معظم مطارات العالم العربي، فحيث تحركت من طنجة إلى حلكو ونصيب، ومن الناصرية إلى بلد العجل الناصري، طالعتك صور الثالوث المقدس؛ الآب والأبن والروح القدس، مذكرا بمصيبة التثليث والثالوث المقدس عند النصارى وأشياعهم..

 

وهكذا بعثنا الحياة في الأصنام الميتة في بلد جاء بالأصل لهدم الأصنام؟؟

 

وهذه النقطة فاتت جماعة الطالبان وهم يدمرون أصنام بوذا، وكان بإمكان هؤلاء المغفلين العدوانيين أن يستفيدوا جدا من تمثال بوذا الأعظم؛ فيعلنوه مكانا محررا للسواح، مقابل عشر دولارات لرؤية التمثال الأعظم، وبواسطة تلفريك يصنعونه خصيصا، مع روزنة تأمل تواجه وجهه لتسبيح الله للبوذيين.. إذا لبنى هؤلاء المتخلفون جسرا لحسن العلاقات مع كل الشرق الأقصى وبقية الديانات، ولكن الفكر الوثوقي العدواني النقلي الأصولي الجهادي دمر كل شيء، بما فيه نفس جماعة الطالبان، التي مزقت شر ممزق أحاديث فبعدا لقوم لايؤمنون..

 

وإذكر من قناة اقرأ؛ أن رجلا قال؛ إن الطالبان فعلت ما فعل إبراهيم!!

 

بفارق أن إبراهيم أبقى على كبيرهم، لعلهم إليه يرجعون، فكان هدف إبراهيم تحريك عقولهم؛ فقال لهم؛ أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون.. والعالم الإسلامي في معظمه اليوم لايعقل، ولا يربط بين تحريم الأشياء وعللها، تماما مثل حشرة العت التي تتنقل بين السطور..

 

وتحت هذا الباب نفهم المعنى المزدوج لتحريم إقامة الضروح على القبور يغوث ويعوق ونسرا..

 

كما نفهم كيف فعل من اكتشف أصحاب الكهف والرقيم فقال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا.. فساعة لا وساعة يجب ..

 

وتحت هذا البنذ نفهم أيضا معنى أزمة عمر وهو يلتهم صنم التمر إذا جاع، ومعنى إقامة التماثيل الجميلة لسليمان مع القدور الراسيات.. فساعة أقيموا التماثيل وساعة انتبهوا.. كما هو الحال في تماثيل الطاغية في جيرود ويبرود.. وصور مسئول رجع من علاج خارج البلد؛ فاحتار المنافقون ماذا يفعلون؟ من نشر الصور وتوزيع البلاغات بل وتخفيض أسعار السلع وحشد طلاب المدارس في تظاهرات وثنية نهى عنها الشرع والشارع والعقل والديموقراطية أن لايحولوا البشر الفانين إلى آلهة مخلدين.. ولن يخلدوتا كما قرأنا ذلك في مدخل الميدان من دمشق عن الرفيق الأبدي..

 

واليوم وسد الرفيق القائد في التراب مثل أي فلاح حوراني..

 

ولكن بين المسلمين وحركة العقل كامل عصر النهضة، واليوم لانهضة ولا ناهضون، ولا صحوة ولا مستيقظون، بل ظلمات من الديكتاتوريات وعبادة الأشخاص من الأصنام الحية والميتة بالهتافات بالروح بالدم نفديك يا أبو الجماجم..

 

وانقلاب في محاور الزمن مشيا على الرؤوس؛ فتتحول الجمهوريات إلى جملوكيات، وهي حقائق وأسماء جديدة، وإلا كيف نمنح الاسم للطفل إلا بعد ولادته..

 

وفي العالم العربي اليوم أنظمة مشوهة تولد؛ ونحن شهود عليها؛ فنحن في عالم كامل من المعتوهين والمجذومين والبرص والعرج والمشوهين والمقعدين، في إجازة مفتوحة .... إلى يوم الدين..