مصطفى الصواف
' 2009' عـام الوجـع الفلسطينـي، كما يصفه المراقبون، سيطر عليه الإحباط، وغُلف بلون الدم القاني؛ وصف قليل ولا يفي العام حقه، فقد كان موجعاً وثقيلاً على قلوب الفلسطينيين، ولكنه كان عام التحدي والصمود واختبار الذات، نجح فيه الفلسطينيون.
قبل أن يبدأ بأيام أربع، كانت غزة مع موجة إرهاب صهيونية جديدة، استمرت ثمانية عشر يوما من العام 2009، حرب شرسة سحقت الأخضر واليابس؛ ولكنها فشلت في تحقيق أهدافها، ووقفت عاجزة عن التأثير في إرادة الشعب، الذي تصدى لها بجدارة واقتدار، فانتصر الدم على السيف، وتحدى الكف المخرز وأبطله؛ رغم الشهداء الذين ارتقوا، والبيوت التي دمرت، إلا أن غزة انتصرت، وقبل أن ينتهي العام تخرج علينا مصر بجدار فولاذي عازل على الحدود لتشديد الحصار، وفعل ما لم تفعله الحرب في تركيع الشعب الفلسطيني، وسط تهديد صهيوني جديد بحرب جديدة.
وكان تقرير غولدستون الذي وجه الاتهام إلى دولة الاحتلال بارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية، هذا التقرير الذي حاول محمود عباس تغييبه عن مجلس حقوق الإنسان، ولكن تحرك الشعب الفلسطيني ضد قرار السحب أجبر عباس على إعادة طرحه، وتفاعل الجميع معه، واليوم قادة الاحتلال يخشون على أنفسهم من الملاحقات القضائية على جرائم الحرب التي ارتكبت ضد الأطفال والنساء، وكان آخرها هروب المجرمة تسيفي ليفني من لندن بعد أن طلب القضاء البريطاني إلقاء القبض عليها، وعلى الفور تم تهريبها من لندن.
ويودع الفلسطينيون هذا العام باستمرار الانقسام؛ الناتج عن الانقلاب على الشرعية وصناديق الاقتراع ورفض المصالحة، وفق المصالح الفلسطينية العليا من قبل محمود عباس, واستمرار الحصار الصهيوني المضروب على القطاع منذ ما يزيد على ثلاث سنوات، وزادت قسوته بعد الحرب وعجز العالم عن الضغط على الصهاينة؛ لرفع الحصار وإدخال مواد البناء؛ لإعادة ما دمرته الآلة الإرهابية الصهيونية، إلا أن الإرادة الفلسطينية بحثت عن بدائل مؤقتة، فكانت بيوت الطينة والكرفانات الحديدية.
واشتدت الحملة الشرسة على مدينة القدس وتسارعت وتيرة التهويد، وحفر الأنفاق تحت المسجد الأقصى والاستيلاء على مئات البيوت الفلسطينية وهدم غيرها, وتوسيع الاستيطان، ونهب الأراضي، ومواصلة بناء جدار الفصل العازل.
ورغم الألم والعذابات التي شهدها هذا العام الذي يشارف على الانتهاء؛ إلا أنه يشكل علامة فارقة في القضية الفلسطينية، ثبت فيه عقم المشروع السياسي الذي سار عليه عباس ومن قبله فتح والمنظمة، وشهد تجميداً كاملاً لمرحلة المفاوضات الثنائية للتسوية، والبحث عن خيارات جديدة, وكان ذلك باعتراف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وصول المفاوضات مع الإسرائيليين لطريق مسدود، وإعلان عريقات بفشل ثمانية عشر عاما من التفاوض، وهو صاحب كتاب ( الحياة تفاوض).
انتهى العام، ومازالت المصالحة الفلسطينية تراوح مكانها، لعدم نزاهة الوسيط المصري، وإصراره على فرض رؤيته للمصالحة، بما يخدم طرف على حساب طرف، ويمكن القول: إن التعنت المصري قد أفشل المصالحة، وهذا يجرنا إلى موضوع الصفقة الذي خرج من اليد المصرية إلى الوسيط الألماني، وبدأت ملامح تحقيق الصفقة وفق شروط المقاومة الفلسطينية أو أكثر من 80% منها؛ رغم الألم ارتسمت ابتسامة على وجوه أهالي الأسرى الفلسطينيين بعد الإفراج عن 20 أسيرة فلسطينية في إطار ما يسمى صفقة الحرائر، مقابل شريط فيديو لمدة دقيقتين يظهر فيه الجندي الأسير جلعاد شاليط, فيما لا تزال صفقة التبادل الكاملة تراوح مكانها نتيجة التعنت الصهيوني، والذي لن يجد سبيلا إلا الموافقة على الصفقة، ولا يزال الوسيط الألماني يتنقل بين غزة و(إسرائيل) بصورة يومية، حاملاً معه اقتراحات متنوعة للتغلب على العقبات وإنجاز الصفقة .
وينتهي العام، ومازال الحصار جاثماً على غزة، ولم تنفك قيوده عن القطاع فيما تتواصل الحركات التضامنية والمسيرات والوفود القادمة لمؤازرتها، والمطالبة بفك حصارها، والاحتلال يواصل تهديداته.
ورغم ذلك يأمل الفلسطينيون أن يحمل عام 2010م بشائر أمل بين طياته، معلنين رفضهم لكل مشاريع التصفية والتسوية التي تتجاوز حقوقهم، ويعلنون عن عدم تخليهم عن هذه الحقوق، صامدون رغم كل الظلم الواقع عليهم، يحدوهم الأمل بالنصر، والتمكن رغم انسداد الأفق، وسوداوية الموقف، ولكن ثقتهم بالله أكبر.


