بقلم :د. عطالله أبو السبح
لم يكن في تقدير أمريكا و(إسرائيل) أو أصدقائهما في المنطقة أن يروا هذا الحشد الهائل من الشعب الفلسطيني في الساحة الخضراء بغزة محتفلين بالذكرى الثانية و العشرين لانطلاقة حماس ، و لم يكن متوقعا لديهم أن يبدأ تقاطر الناس منذ الساعات الأولى لصباح الاثنين( 14/12/2009) حرصا منهم على إيجاد مقعد لهم أو مكان يقفون فيه ، ولم يكن لديهم توقع أن يأتي الناس طواعية و هم يعلنون فرحهم كفرح السعداء بالعيد ، و الذي جرى عكس ذلك تماما ؛ فلقد جاء الناس و احتشدوا لساعات طوال و لم يغادر منهم أحد حتى غادر السيد إسماعيل هنية المكان رغم أربع سنوات عجاف من الحصار أضــطرت الكثير منهم أن ينتعلوا الأحذية البالية و يلبسوا الأسمال المقطعة و يوقدوا النيران بالحطب و يسيـِّروا مركباتهم بزيت الطبخ ، ويوقدوا الشموع أو مصابيح الكيروسين ممن كان عندهم كيروسن ، وأكلوا الدقيق الذي تعافه الحيوانات ، و مع ذلك جاؤوا ليحتفلوا بانطلاقة حماس . ..
جاؤوا بعد حرب ضروس تمر ذكراها الأولى بعد أيام ؛ حرب الفرقان التي دمر فيها يهود مئات المنازل و المآذن و المدارس و المستشفيات ...دمر فيها اليهود المزارع و المصانع و المساكن ...دمر فيها اليهود الطرق و الجسور و المؤسسات ، كما قتلوا الآلاف من الأطفال و الشيوخ و النساء ، أبادوا عائلات بكاملها ، و مزقوا أجساد خيرة شباب فلسطين من رجال الشرطة العزل ، و ارتكبوا أفظع الجرائم التي استحقت بموجبها تسيفي ليفني قرارا بالتوقيف من القضاء البريطاني كمجرمة حرب ، و استحق أولمرت الطرد ككلب أجرب من مؤسسة الحكم الصهيونية ، وبصق العالم كل العالم في وجه باراك اللعين ، أولئك الثلاثة الذين كتبوا أسماءهم إلى جانب القتلة و سفاكي الدماء من أعداء الإنسانية ، و في المقابل وقف الشعب الفلسطيني رغم كل ذلك صامدا صابرا مضحـِّـيا ذائــدا عن أرضه ووطنه و إنسانه و مبادئه و حقوقه ، فكتب النصر بدماء أبنائه على صفحة الخلود ، صمدت غزة لثلاثة و عشرين يوما ما كانت لتصمد لها دول كبرى ...صمدت غزة و قهر كفها مخرز يهود ، و انتصر دمها على سيف الجلادين من الصهاينة ، لقد فعل الصهاينة كل ذلك عن عمد و سبق إصرار لسحق المقاومة و ما تمثله حماس من قيادة لها ، ولكن انتصرت المقاومة و انتصرت حماس ..
فعل الصهاينة ذلك لينفضَّ الشعب الفلسطيني عن حماس ..فماذا كان ؟ لقد التف الشعب الفلسطيني حول حماس ، التفوا حول المقاومة مؤكدين أن الحق في الحياة لهذا الشعب هو حق مقدس لا يمكن التفريط فيه حتى وإن حاصر الصهاينة شعبنا ألف عام ، و قتلوا منه ألف ألف نفس فلن يتحقق ليهود مأرب و لا هدف ، هذا ما أكده المهرجان و أكده التفاف الشعب الفلسطيني حول حماس ، و للفاجعة أن سلطة رام الله و بعض المتاجرين بالقضية منهم و على رأسهم محمود عباس لم يقرأ مغزى هذا الالتفاف بوعي وإدراك ، فيخرج علينا محمود عباس ليقول : (أشهد بالله أن حماس لا تؤمن بالديموقراطية ولا تؤمن بالوطن ) وأنا أقول : أشهد بالله بأن حماس تؤمن بالديموقراطية و تؤمن بالوطن ولكن بصـــــدق و شفافية لا بزيــف أو انحراف أو استلاب أو ارتهان ، فحماس يا عباس هي كل هذا الشعب ، وأتحداك أن تطلق حرية الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية لتنظم حماس هناك احتفالا ...أقول أتحداك ...و سوف ترى ، سوف ترى هذا الالتفاف و أكثر منه بل و أشد تنظيما و إصرارا و انتماء، وستسمع ألسنة صدق تهتف : القـــــدس لنا لا للظلمة ، و تقول : لا تفريط في الحقوق ، و تهتف : تحيـــة للكتائب عـــز الدين ، و لا يمكن يا عباس أن تسمع هتافا لكتيبة الخونة و الذيليين الذين يدربهم دايتون لقتل الإنسان الفلسطيني و ذبح القضية الفلسطينية ، و كان الأحرى يا عباس أن تستجيب لنداء إسماعيل هنية و أن تصدر مرسوما بإعادة الحوار الهادف و البنـَّاء و تشكيل حكومة وحدة وطنية ، وأن يكون للشعب الفلسطيني مرجعية ليست على مقاس المزاج الأمريكي أو الصهيوني ، و لكن للأسف ؛ جئت بغير ذلك ، كان الأحرى أن تـُعَزز وحدة الشعب الفلسطيني وأن تعود فتح إلى أصالتها الثورية و لكن هيهات إذا ظل عباس قائدا لها ..


