الخميس 01 أكتوبر 2020 الساعة 04:17 م

مقالات وآراء

حين تشخصن الحركات التحررية .. ما الذي يحدث؟؟

حجم الخط

 

يقال إن فلانا شخصاني ؛ أي انه على وجه العموم يسعى بحثا عن أسباب ‏إشباع طموحاته وأهدافه الشخصية والذاتية ، انه يحب ذاته وشخصه ويفرط ‏في حبهما ،الشخصاني من الناحية الفلسفية يقدم على كل شيء يرى انه ‏يصب في مصلحته ، بغض النظر إن كان ذلك مردوده سيء على محيطه ‏والآخرين ، طالما أن هذا الأمر أو ذاك من الممكن أن يجلب له مصلحة أو ‏منفعة ذاتية .

 لكن ومع ذلك ،الشخصاني بهذا المفهوم كثيرا ما يجلب لنفسه ‏الأذى والشر بسبب إتباعه هوى نفسه ومبتغاها ، هذا على عكس الإنسان ‏الذي تحكمه فكرة أو مبدأ سام ، فهو ينطلق ويفكر بتلك الخطوات التي تعزز ‏هذه الفكر وهذا المبدأ ، وفي الأساس ومن حيث التصور العام الفكرة ‏والمبدأ هي متعلقة بالعموم ومصلحته ، ولذلك فإن خطوات وتحركات ‏واجتهادات المبدئي في هذا السياق لا تجلب المصلحة العامة فقط  وهي ‏الأهم ، وإنما هي خير كله خير لصحابها أيضا  .‏

 

الغرض مما تقدم هو لجلو وتوضيح مفهوم الشخصانية ومدى ارتباط ذلك ‏مع حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح منذ نشأتها التي قامت على فكرة ‏شرعية البندقية والثورة ، بعيدا عن مفاهيم المؤسسات التي تستقي شرعيتها ‏من المفاهيم الشورية والانتخابية الديمقراطية ، ومن ثم لنرى اثر ذلك كله ‏على الحركة نفسها وعلى الشعب الفلسطيني الجانب الأهم في الموضوع ، ‏وبالتحديد دور الوضع والميزة اللاديمقراطية في الحركة في الواقع ‏الفلسطيني المرير الذي نمر فيه اليوم .‏

 

فحركة فتح منذ أن سيطرت على منظمة التحرير الفلسطينية عام 1968 ، ‏لم تجر بعدها أية عملية شورية أو ديمقراطية في اختيار القائمين على ‏مؤسسات المنظمة ، نحن لا نتحدث هنا عن انتخابات ديمقراطية مباشرة ‏للشعب الفلسطيني في الداخل وفي الشتات لاختيار أعضاء وممثلو منظمة ‏التحرير الفلسطينية ، فذلك كان صعبا في تلك المرحلة وما تلاها حتى ‏أوسلو  عام 1993 ، إنما نحن نتحدث عن حالة الاختيار الديمقراطي ‏والشورى لرئيس وأعضاء المنظمة على مستوى الحركات المنضوية تحت ‏مظلة منظمة التحرير الفلسطينية ، إذ لم يكن هناك حالة من الانتخابات ‏الداخلية النزيهة والديمقراطية على مستوى حركة فتح في الخارج مثلا ‏لاختيار وتجديد القيادة والأعضاء الذين سيدفع بهم إلى رئاسة ومؤسسات ‏المنظمة ولاسيما المجلس الوطني فيها ، بل إن الأمر كان تعينينا من قبل ‏فتح أو من قبل زعيمها الراحل ياسر عرفات نفسه.‏

 

ومن هنا ، واستنادا للوضع السابق كان الأمر كله بيد أبو عمار ، فهو الأول ‏والأخير بالنسبة لحركة فتح ، بل ولمنظمة التحرير نفسها ، هذا التفرد في ‏السيطرة على حركة فتح ومنظمة التحرير من طرف ياسر عرفات ، جعل ‏الأخير يمعن أكثر وأكثر في شخصنة واختزال حركة فتح والمنظمة في ‏شخصه وشخص ثلة من المقربين له ، لم يكن ليكون والحال هذه أية أهمية ‏تذكر لمؤسسات منظمة التحرير التي بات دورها شكلي ،وكل ما في الأمر ‏أن أبو عمار كان يرجع إليها فقط بعد أن يتخذ القرار لإعطاء القرار ‏الصبغة الشرعية باسم المنظمة .

 كثيرة هي الحالات التي خالف فيها الراحل ‏عرفات ما تم اتخاذه من قرارات على مستوى المجلس الوطني الفلسطيني ، ‏سواء أكان ذلك بالعودة للاتصال وإقامة العلاقات مع مصر بعد كامب ديفيد ‏السادات أو نبذه للعنف والإرهاب ' المقاومة عام 85 أثناء زيارته للقاهرة ، ‏أو قبوله بالقرارين 242 و338 عام 1988، ومن ثم إعلان وثيقة الاستقلال ‏في الجزائر من نفس العام ، دون الرجوع أساسا وابتداء إلى المجلس ‏الوطني ، بل إن خطوات أبو عمار السابقة كانت مخالفة لميثاق المجلس ‏الوطني نفسه ، ولذلك رأينا كيف أن نصوص الميثاق الوطني الفلسطيني تم ‏تعديلها عام 1996،نتيجة لما تمخض عنه الحال من اتفاق أوسلو وتبعاته.‏

 

هناك أمر في موضوع الشخصانية والفر دانية ينبغي الإشارة إليه ، وهو إن ‏المرء حين يقبل ابتداء لنفسه حب السيطرة والظهور والانفراد باتخاذ ‏القرارات ، يجد نفسه في نهاية المطاف وبطريقة دراماتيكية رهنا لحالة ‏الكون النفسي المتكون في هذا السياق بان يصبح  بمثابةالآمر الناهي في كل ‏كبيرة وصغيرة ،ولن يشفع له بمنعه من حالة التهور المتتالية هذه كونه لديه ‏دوافع ومنطلقات وطنية .

 

 فالشخصاني في نهاية المطاف وبحكم التجارب ‏التاريخية لا يجلب لوطنه وشعبه سوى الدمار والخراب ، انه يتدرج بل ‏ينزلق شيئا فشيئا نحو الهاوية والخراب ، انظروا مثلا إلى مسيرة حركة ‏فتح والمنظمة في التراجع عن الحقوق والثوابت للقضية الفلسطينية من ‏بداية السبعينيات بالقبول بإقامة الدولة على أي شبر يحرر ، أو ما سمي في ‏حينها بالبرنامج المرحلي أو النقاط العشر ، وبقي هذا الانحدار في منسوب ‏التمسك بالثوابت إلى أن وقع اتفاق أوسلو  وطابا وغيرها دون أن يكون ‏هناك على الأقل نوع من الرجوع الشعبي بشأن الموقف من عملية السلام ‏واتفاقاتها هذه لا قبلا ولا بعدا ، لم يتوقف الأمر على ذلك .

 

 فبرغم ثبوت ‏فشل عملية السلام هذه وما تمخض عنها من تكريس للاحتلال على ما تبقى ‏من أراضي ال67 ، وما أدى ذلك في نهاية المطاف إلى رفض ياسر ‏عرفات ما طرح عليه في كامب ديفيد 2 عام 2000 ، إلا انه وكنتيجة ‏حتمية لحالة اللاديمقراطية واللاشورية التي تسود حركة فتح ومنظمة ‏التحرير منذ عقود جاءنا فوج آخر من الشخصانيين والفر دانيين ، والذي ‏يعتبرون أنفسهم حكماء وما دونهم بلهاء ، ليضربوا بعرض الحائط كل ‏الحقائق المتعلقة في الصراع مع العدو بل ويتجاهلوا كل التجارب السابقة ‏في سياق التفاوض مع إسرائيل ، ليصل بهم الأمر في نهاية المطاف إلى ‏التسليم فقط بما يقبل به الأمريكيون والإسرائيليون من إعطاء الفلسطينيين ‏دولة كانتونية مقطعة الأوصال لا كرامة فيها ولا سيادة ، وهذا الأمر نجده ‏من موقف الرئيس عباس الذي يعلن تمسكه دوما بخارطة الطريق والتي ‏يقدمها على  أية وثيقة عربية أو فلسطينية .‏

 

إن حالة الشخصانية والفر دانية داء خطير جدا وبالتحديد حينما يتعلق الأمر ‏بالمصالح العامة للناس ، الفر دانية والشخصانية تؤدي في أحيان كثيرة إلى ‏الارتباط بالعدو والتحول من اجل العمل لمصالحه ، واعتقد أن عددا من ‏القيادات الأوسلوية السياسية والعسكرية التي خرجت من عباءة المدرسة ‏الشخصانية والفر دانية  ربما وصلت إلى هذه المرحلة من الانحدار ، ولذلك ‏يفهم المرء مليا لماذا لا ينجح ولا يصمد أي اتفاق مع هؤلاء ، برغم كل ‏ليونة سياسية ودبلوماسية قدمتها حماس من اجل التوصل إلى برنامج ‏شراكة وطنية في كل شيء ، يدعي قادة سياسيون وامنيون في أوسلو أن ‏حماس تصارع على السلطة وعلى المناصب ، وحماس نفسها من تنازلت ‏عن كثير مواقع مهمة في تشكيلة حكومة الوحدة الوطنية ومن بينها ‏الوزارات الأساسية والمهمة؛ المالية والخارجية وحتى بالنسبة للداخلية.‏

 

بقي أخيرا أن نقول : إن ما نشهده اليوم من أحداث في قطاع غزة مردها في ‏الأساس يعود إلى الحالة المرضية المزمنة التي كانت ولازالت تعاني منها ‏حركة فتح ومنظمة التحرير ، وهي سيطرة النزعة الفردية والشخصية على ‏مواقعها القيادية والمؤسساتية ، بحيث يغدو كل شيء هين في نظر مسئوليها ‏حتى ولو تطلب الأمر التحالف بل العمالة للعدو والاحتلال ، طالما أن بعضا ‏من طموحاتهم ومسائلهم الشخصية والفئوية يمكن أن تتحقق ، ولو على ‏حساب وطن،وبسبب ذلك كانت حماس مضطرة في نهاية المطاف أن تضع ‏حدا للذين انحدرت أخلاقهم الوطنية كثيرا بعد أن أصبح كل حوار واتفاق ‏معهم من باب الهزل وإضاعة الوقت