بقلم: د. عطالله أبو السبح
لم يعد شيء خافياً في سيرة الشيخ رحمه الله ، إلا انطباعات شخصية لدى من التقاه ، أو جلس إليه، عرف الناس باب الشيخ مفتوحاً ، ولا يصد عنه أحد ، وإن كان لدواعي الزحام وقف أمامه - في السنوات الأخيرة - آذن ينظم الدخول عليه.
تميز رحمه الله بطاقة هائلة على العمل ، وبقدرة فائقة على الصبر، لا يكل من العمل ولا يمل, مبتسماً دوماً ، حتي وهو في أشد حالات الألم ، من أمراضه الكثيرة ، كان صدره الذي يمزقه (البلغم) يتسع لكل هموم الدنيا لو حملته إياه وهو راض ، لم يضق بأحد ولا قال لشاك : كفي! ولم يرد سائلا ، فإن كان عنده أعطى ، وإن لم ، وعد بالخير ، وسرعان ما ينجز ، كان رحمه الله رفيقاً بالبسطاء غاية الرفق ، يوسع لهم في مجلسه، يمازحهم، يحسن إليهم ، ويستحسن عبثهم، ويقترب من أهل الرأي ، يستمع إليهم بشغف واستزادهة ، محباً للرجال الرجال، رأى الناس الدموع تملأً عينيه لاستشهاد صلاح شحادة رحمه الله.
الفتيان هم المستقبل ، والشباب هم النصر ، فتعهد الأوليين ، يشهد ملاعبهم ، ويفرح لفرحهم ، ويحفزهم للمزيد ، كانوا يتعلقون به تعلق الصديق بالصديق ، يتلمس مراكز اهتمامهم ، ويشبعها ، فوجدوا فيه قدوتهم ومؤنسهم ، وإن هي إلا سنوات حتى شب الصغير، وأضحى اليوم قائداً .
رحم الله الشيخ ، كان كريما ، وجد أم لم يجد ، تفضل (إحنا طابخين خبيزة) كلمات طالما رددها ، ويصر، وفعلاً تأتي الخبيزة ، وتكون مع الشيخ هي الأشهى, إذ تخالطها زكاوة قفشات الشيخ وممازحاته، خاصةً من يضع في فمه الطعام ، يأكل ليأكل الضيف ، ويرتفع بعد أن يشبع، رحم الله الشيخ ، كان ذا رأي سديد إذا أبدى رأياً ، ولكن بعد يستمع ويستمع ، حتى لا يظن محدثه بأنه قد (سرح) ، أو أنه لن يتكلم أبداً، وإذ به يلم أطراف ما سمع مناقشاً ، مؤكداً، مفصلاً ، خالصاً للرأي، فيكون في قوله السداد والرشاد ، وهذا ما أيقن به شباب الجامعة الإسلامية والكتلة ومجالس الطلاب والطالبات، يعيش واقعهم ، وطموحاتهم ، ومشاكلهم، ما يحبون وما يرفضون، ما يختلفون فيه مع رئاسة الجامعة وأساتذتها، وما يلاقون من ضيق الكتل الأخرى وفوضاها....
منيت الجامعة – في مرحلة – برئاسة مراهقة ، فكان الشيخ هو الحكيم الذي حاول أن يسدد ويرشد ، ولكن الأمر استعصى عليه بسبب كثرة المغرورين، ومثيري الفتن ، والمراهقين السياسيين، الذي لا يرون أبعد من رؤوس أصابع أقدامهم ؛ فكان الحزم من الشيخ والعزم، ولم يلتفت وراءه فأخذ القرار الذي تعطشت له أرض الجامعة وأفئدة أبنائها، ولهذا حديث طويل ليس هذا مكانه، رحم الله الشيخ .
كانت عينه على الاحتلال، وهو بين خندقين تمتد ألسنة نيرانهما في كل اتجاه، أيساير هذا الشباب وثورتهم ؟ فيقذف وجوه الصهاينة بهم ، وهو يدرك أن عودهم لا يزال طرياً، ولا تزال قواد بنيانه في أوائلها ، و ما تعداد صفه إلا بعض عشرات في كل قرية أو بعضها ، بل بعضها لم يكن فيها إلا الرجل أو الرجلان ، ناهيك عن شح الموارد و قلة ذات اليد ، و في المقابل يستفحل الصهاينة استفحال إخطبوط سام ، يضربون كل بيت إن استطاعوا ، و ينشرون الرذيلة ، و يمدون المفسدين بخيلهم و رجلهم ، عمالة و زنا و مخدرات و مراقص و مجون و أسواق مكتظة بالصهاينة تكريسا لأمر واقع لمعايشته و اعتياده كي تألفه العين و لا تنكره ، توقظ الغرائز الكامنة ، و تشعل في أجساد الناشئة سعار الشهوة لتصبح العمالة و جهة نظر، و خيانة الأوطان شطارة ، و مقارعة الاحتلال جنوناً و إرهابا و تعطيلا لبواكير ( المشروع الوطني ) ثم سجون فاغرة الأفواه لكل حر وشريف .. و اتخذ الشيخ القرار هو الأجرأ في حياة الشيخ بعد أن اطمأن إلى رأي شوري ، كان صوته هو الأفصح .. حكمة .. جرأة .. و شجاعة .. و اصطفاء .. رحم الله الشيخ.
و قبل أن تتفتح البراعم كان التمحيص ، و اعتقل الشيخ ، فهاج الزرع .. و دخل الناس في دعوة الحق أفواجا .. وأصدر الصهاينة على (الصفوة ) أحكامهم .. و خصوا الشيخ بثلاثة عشر عاما و نصف العام .. و بيقين المؤمن قال : هذا حكم الأرض ، ولا ندري ما حكم السماء .. و فعلا قضت السماء بأن تعود للشيخ حريته بعد أشهر .. رحم الله الشيخ وللحديث بقية إن بقي في العمر بقية.
