الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 04:52 م

مقالات وآراء

عصا الحاج

حجم الخط

 بقلم: د. عطالله أبو السبح

  

عباءته و هندامه و عقاله و كوفيته... كل ذلك ينطق بوجاهته و ثرائه، حذاؤه لامع ، نظارته (كعب كباية) وإذا ذهب يتوضأ لا يكاد يرى طريقه ، يزم جفونه ، و شفتيه كي يرى ؛ و كأن هناك علاقة حميمة ما بين الجفنين و الشفتين، فمنهما الإطباق و الانبساط ، يباهي برجولته، فهو الوحيد الذي بيده مقاليد أمور زوجتيه، اللتين كل واحدة منهما تعتز بجمالها ، و تهزأ من جمال الأخرى، تجلس إحداهما عن يمينه و الأخرى عن شماله، خبيرتان بحركاته ، لا يحتاج إلى إصدار أمر أو نهي بلسانه ، فبحركة ما تضحكان ، و بأخرى تقطبان، و بثالثة تتحدثان، أو تعد الشاي ، و الأخرى تشعل له الكانون ، و تجري لتأتي له برغيف (ليحمصه) على النار ليأكل الوجبة (الـما قبل) العشاء ، و أولادهما كذلك ، حتى لا يستطيع ضيف جديد أن يميز الأشقاء عن الأخوة لأب ، فالحاج لا يسمح بالتفرقة ولا التمييز ، تقول زوجته الأولى (الحاج بسلامتو) فتكمل الأخرى فوراً (الله يطول عمرو) و للحق فإن الحاج عادل جداً بين أولاده و زوجاته ، حتى أنه لم يسأل (من التي بدأت، أو أخطأت ، أو من كانت السبب) عندما دخل فوجد شجاراً بين الزوجتين ، فضرب بعصاه الثقيلة سواعدهن الأربعة ، وعند الغروب رجع من المستشفى بهن ، ولكن بأيـدٍ معلقة في أعناقهن ، يحوطهن (الجبس) و في التقرير الطبي أن الزوجتين قد تكسرت أيديهن الأربعة لحادث (!!)  ومن يومها لم تجرؤ إحداهن أن تقول (بم) للأخرى, و في واقعة أخرى كان (التطبيش) من نصيب اثنين من أبنائه ، و لم يجرؤ أحد أن يجير من استجار به منهما...

 

ولم تكن واحدة من الزوجتين لتجرؤ أن تغتاب الأخرى ، خشية أن يصل الكلام للحاج, و بقي الأمر كذلك لسنوات ، حتى أقعد المرض الحاج ، فتجرأت إحداهن على الأخرى بكلمة ، فهب كمن لسعته عقرب مزمجراً بالطلاق ، فأذعنت ثم اعتذرت بابتسامة ميتة (يابن الحلال مش قصدي.. أنا آسفة) ثم لاذت بصمتٍ باكٍ ، و لم يقبل أسفها ، بل هم (ليتناولها) بعصاه الغليظة ، و لولا أنها مالت برأسها (لفلقه) ولم يهدأ حتى توسطت الأخرى بينهما (الله يهديك.. أنا مسامحاها..) ومرت الأيام و الأسرة - على ما يبدو- سمن على عسل ، و في ليلةٍ فاجأ الحاج الجميع ، إذ ذهب بلا رجوع.. لقد مات الحاج.. و كطنجرة الضغط التي طارت صفارتها من شدة ضغط البخار، خرج المكتوم سيلاً من المكاشفات و المكاشفات المضادة  فلا أحد يسمع لأحد ، و كل منهما تدعي أن الحاج كان لها وحدها ، وأنها الأغلى و الأعز ، تحولت المكاشفات إلى معايرات ، فكل منهما أجمل من الأخرى ، و أغنى ، و أكرم أصلاً و فصلاً وحسباً ونسباً ، ثم لأول مرة يتعاركن دون أن يجدن من يكسر أيديهن ، فكمن كتم شوقه أعواماً للعراك، أخذ ينشب في كل يوم شجار أو شجاران...

 

الصوت المرتفع و الصراخ و السباب هو الأصل ، و ما دون ذلك هو الاستثناء ... و لأول مرة أيضاً يتشاجر الأخوة ، و هم في مأمن من عصا الحاج، و لأول مرة يفكر أحدهم – بصوت مسموع - برغبته في فض الشركة ، التي أنشأها مع أخوانه (بصرف النظر إن كانوا لأب) و لأول مرة يرفع أحدهم يده ليصفع أخته ، فتصرخ  (يابا) ولا يأتي الحاج... انفرط عقد الأسرة بعد الحاج ، و كأنه الناظم الوحيد لأفرادها ، ولأول مرة تجهر إحدى الأخوات بقولها جاء (أخي و يوسف) و هي تعني أخاها الشقيق، و أما يوسف فهو أخوها لأبيها، صار الشجار بين أفراد عائلة الحاج مثار تندر من الجيران، و إذا أراد أحد الماكرين أن (ينبسط ) جاء لبيت الحاج ليحرش بين الأرملتين ، و إن هي إلا بضع ساعة حتى تشب نيران الفتنة ، فينعق غراب البين ، ولا يستطيع الضيف أن يعيد الهدوء للبيت مرة أخرى!! وكان لابد مما ليس له بد ، ترك الأبناء بيت العائلة ، بعد أن تركته البنات بالزواج ، و بقي فيه واحد لم يطل له الأمر، فقد تذكروا جميعاً أن لهم أنصبة في البيت ،  إذ هو ميراث أبيهم العزيز ، كان سبباً في سلسة أخرى من الشجار، و مع تنوع مذاهبهم و مشاربهم السياسية والفكرية، واختلاف درجات وعيهم و أعمارهم و أمهاتهم ، فقد تنوعت و تعارضت حججهم  و ادعاءاتهم ، مما حير (المشايخ) فلم يقولوا فيما شجر بينهم قولاً فصلاً ، و خاصة أن لكل واحد منهم شيخاً أو مفتياً أو مرجعية ، و إذا ما احتكموا لهيئة ، و أبدوا الاستعداد للالتزام ظهر اختلافهم و عدم التزامهم بما وعدوا...

 

ولم يكن خافياً في كل مرة أن الأرملتين هما من تذكيان جمر الخلاف والفرقة ، و توغران الصدور ... لم يتوقف الأمر على مجموعتي أولادهما ، بل انتقل إلى الأشقاء ، فقد دب بينهم خلاف ٌمستحكم !! أيقن الجميع أن لجان التحكيم فاشلة ، و أن نصفهم لابد أن يكون – دائماً- جاهلاً ، أو مطعونا في ذمته ، و عندما أيقنوا ذلك احتكموا (لعصا الحاج) فهجم الكل على الكل و( طبـَّش) الكل الكل ، حتى أقدم أبن أخ على (خمش) لحم يد عمه (فهبشها) و عندما سألوني من المعتدي ؟ قلت : إن المجرم الحقيقي هي عصا الحاج.