الإثنين 28 سبتمبر 2020 الساعة 05:23 ص

مقالات وآراء

مقالات أخرى للكاتب

لماذا يجب أن نتفق؟ ‏

حجم الخط

تسارعت الأحداث في منطقتنا على نحو مثير وغير مسبوق، لترسم مشهداً يمثل الأكثر قتامة بين مشاهد العمران البشري التي حكى لنا عنها رائد علم الاجتماع ابن خلدون رحمة الله، مع ما يعنيه ذلك من فداحة المنقلب والمصير.

 

والآن تلوح في الأفق فرصة ثمينة مع الدعوة الجديدة التي وجهتها القاهرة لجولة حوار فلسطينية- فلسطينية، ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، خاصة مع تعاظم الدور المصري الذي باتت تلعبه القاهرة في الشارع الفلسطيني، لقد قبلت كل القوى الفلسطينية الأساسية والفاعلة الدعوة وهو ما يشكل برأينا موقفا مسؤولاً يمكن التأسيس عليه في اللحظة التاريخية الحاسمة والحرجة التي يعيشها شعبنا الفلسطيني وقضيته الوطنية، ولكن هذا وحده لا يكفي حسب ما علمتنا إياه التجارب السابقة على امتداد سنوات طويلة، فالنوايا الحسنة لا تكفي وحدها في إنجاح الحوار وإيصاله إلى غاياته المبتغاة.

 

لكن ما أجمل أن يتسامي الجميع على الجراح، ويرتفع صوت العقل ويلتفت الجميع إلى السفينة التي اهتزت في بحر لجي، وما أجمل أن يتجدد اللقاء الوطني لمعالجة ملفات عالقة في الأجندة الوطنية، والسؤال المطروح لماذا يجب أن نتفق هذه المرة:

 

واضح أن التجري والتعدي على الحقوق والحرمات وخاصة على الأرواح والممتلكات تمثل

 

انتهاكاً لا يمكن القبول به على الاطلاق، وهو مدان بأشد عبارات الإدانة والشجب، ووصول الأمر الى هذه المستويات لينذر باتجاه الأحداث (لا سمح الله) إلى مدارك أكثر سوء.

 

ضرورة التوحد والاتفاق يستوجبها طبيعة الصراع المفروض علينا من قبل الاحتلال الصهيوني، وتعقيدات الحالة الفلسطينية، وخاصة فيما يتعلق بقضاياها الجوهرية من عيار القدس؛ اللاجئين؛ السيادة والدولة، والتي تحظي بعناية خاصة من أطراف الصراع تغوص في التاريخ والأيديولوجيا والسياسة، وقائمة طويلة من قضايا الصراع الأخرى مثل: المياة، والمعابر والطرق وغيرها، وهو ما يكفل مد المعركة زمنياً لأطول فترة ممكنة، تستوجب توظيف وحشد الكل لمعركة النفس الطويل، وهو ما يستدعي قدراً كبيراً من الوعي والحكمة.

 

كما يمر العالم بمرحلة من العولمة (وليس العالمية) تقوم على التحالف وبناء المحاور والتكتلات الدولية والكونية، التي تستهدف الكيانات الصغيرة والمعزولة، لا نملك معها إلا أن نتوحد ونتصالح كشرط للتعاون على البر والتقوى ومواجهة الظلم والاحتلال والبغي في زمن لم يعد فيه للصغار مكان في عالم الكبار.

 

ثم هل نقبل أن نكون وقوداً لمعركة تقودهاً السيدة كوندا.. في البيت الأبيض،..عنوانها 'الفوضى الخلاقة' لنشر الدمار والخراب لتحقيق أماني شيطانية، بعد فشل سياسات الاحتواء والتدمير والقتل والاغتيال من النيل من صمودنا على مدار عقود طويلة؟

 

ألا يليق بهذا الشعب العظيم أن يقدم تجربة نضالية جهادية فذه في مقارعة قوى الاحتلال والبغي، يحافظ فيها على طهارة السلاح، وتبقى البندقية أيقونة للمقاومة والتحرير وراعية للمشروع الوطني وفقط.

 

هل ندرك أن شطراً كبيراً من الصراع الكوني الدائر في العالم يدور حول سعي كل طرف تقديم نموذجه الحضاري على أنه الأفضل للبشرية، وهل نضع ذلك في الاعتبار ونحن نتصارع ونتحاور ونتفق.

 

الصراع في فلسطين ليست 'طوشة' بيننا وبين يهود، بل هو صراع كوني تتصارع فيه قوى

 

الحق والباطل على أرض فلسطين، وهو ما يستدعي حشد كل الطاقات للقيام بالواجب المقدس تجاه الدين والوطن، وهل فلسطين إلا وطن وعقيدة، وغداً سيحكي التاريخ حكايته.

 

ختاماً، إن الذي لا يحركه فيض الإيمان بالله والوطن لهو عاجز عن أن يصارح ويصالح ويسامح، وهو أكثر عجزاً عن التسامي على الجراح والوفاء بالواجب، وهو أضيع للأمانة التي حَملها أو التي حُملّها.

 

يبقى سؤال لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، هل فكرنا في البديل عن عدم الاتفاق؟