الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 04:58 م

مقالات وآراء

د. عصام العريان

مسئول المكتب السياسي لجماعة الاخوان المسلمين بمصر
عدد مقالات الكاتب [52 ]

تركيا تدخل عهد الجمهورية الثانية

حجم الخط

بقلم: د. عصام العريان

 

يمكننا القول بثقة إنه ببدء مناقشة حزمة الإجراءات والقوانين التي يعتزم حزب العدالة والتنمية وإقرارها في البرلمان التركي بشأن المسألة الكردية تكون تركيا قد دخلت عهدا جديدا يطلق عليه المراقبون 'الجمهورية الثانية'

 

هذه المناقشات بدأت في يوم ذكرى وفاة مؤسس الجمهورية الأولى 'كمال أتاتورك' مما أدى إلى صخب شديد وعراك بالأيدي بين ورثة أتاتورك من غلاة العلمانيين وأعضاء حزب الشعب اليساري وبين أغلبية النواب المنتمين إلى حزب العدالة والتنمية المحافظ ذي الجذور الإسلامية، ولا شك أن اختيار اليوم يحمل دلالة رمزية لا تخفي على المراقبين وهو يعني الانقطاع عن السياسة القديمة والبدء بسياسة جديدة أو نهاية الجمهورية الاولى وبداية الجمهورية الثانية.

 

الحزمة المقترحة من القوانين والإجراءات تتعلق بأحد أهم وأخطر القضايا التي توارثتها الحكومات المتعاقبة وهي 'المسألة الكردية' وتسببت في مواجهات دامية بين 'حزب العدالة الكردستاني' بقيادة 'عبدالله أوجلان' الذي يقبع في زنزانة انفرادية في جزيرة منعزلة بعد عملية ناجحة للقبض عليه في 'كينيا' وبين الجيش التركي على مدار عقود من الزمن سالت فيها أنهار الدماء وراح ضحيتها مئات الأتراك من الجانبين وتم تدمير عشرات القرى في جنوب شرق تركيا وتسببت في توتر دائم على الحدود بين تركيا وبين سوريا والعراق وأصبحت أحد أهم العقبات التي تواجه انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي لأنها من جهة عظّمت دور الجيش التركي بصورة ضخمة جدا مما أدى إلى سيطرته على الحياة السياسية وتدخله الدائم في حل الحكومات والقيام بعدة انقلابات على الحياة الديمقراطية ضد الحكومة اليمينية واليسارية معتدلة كانت أو إسلامية، وأيضا تشوّه سجل تركيا في ملفين هامين جدا بالنسبة إلى أوروبا يتعلقان باحترام حقوق الإنسان واحترام الخصوصيات الثقافية وكذلك احترام القواعد الديمقراطية.

 

لقد سار حزب العدالة والتنمية بخطوات ثابتة وعزز مكانته الشعبية والإقليمية والدولية خلال السنوات القليلة الماضية مما يؤذن ببداية عهد جديد فعلا في تركيا الحديثة.

 

لقد حافظ الحزب على ثقة الشعب به ونجح في اجتياز اختبار الانتخابات المحلية والعامة رغم تراجعه الطفيف في المحليات.

 

السبب الرئيسى في ذلك هو زرع أمل واقعي في نفوس الشعب التركي لتحقيق الاستقرار والأمن ومعه الازدهار الاقتصادي والسعي جديا لتحقيق حلم الأتراك القديم في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

 

كل ذلك تحقق وفق خطة مدروسة وبحكمة شديدة وبخطوات وئيدة بطيئة لكنها متلاحقة.

 

أفشل الحزب كل خطط خصومه من العسكريين والسياسيين لإخراجه من الحكم أو الانقلاب عليه أو إثارة الجمهور العلماني ضده وضد سياساته واستخدام الحزب أغلبيته البرلمانية القوية والتي تعززت في الانتخابات البرلمانية الثانية بذكاء شديد لإجراء تعديلات دستورية وقانونية تحجم دور الجيش وتغل يد المحكمة الدستورية العلمانية عن حل الأحزاب الذي تسبب في تعويق الحياة الديمقراطية وإفساد الحياة السياسية وقطع الطريق دوما على الأحزاب ذات الجذور الإسلامية.

 

لم يستدرج الحزب الى معارك داخلية إيدولوجية مثل قضية الحجاب بل تعامل معها بحكمة مثيرة للاعجاب وتراجع عن مشروع قانون ولو إلى حين ولم ينظم مظاهرات ضخمة لمواجهة مظاهرات العلمانيين حتى لا يتسبب في توتر داخلي يؤدى إلى تدخل الجيش بذريعة القلاقل والاضطرابات.

 

نجح الحزب في كسب تأييد خارجي هام في أمريكا وبعض أوروبا رغم معارضة فرنسية شديدة وتمنع ألماني وكان شعاره أنه يقدم حلا وسطا بين العلمانيين المتطرفين وبين الخوف الشديد في الغرب من الإسلاميين (الاسلاموفوبيا)، فطرح ما سماه 'العلمانية المؤمنة' وهو ما يجد صداه في أمريكا نفسها وبعض دول أوروبا مثل بريطانيا التي للدين دور رئيسى فيها، وهذا ما يجعله محل دراسة المهتمين بالظاهرة الإسلامية كحل وسط لإشكالية دمج القوى والتيارات الإسلامية في الحياة السياسية وإمكانية مشاركة الأحزاب الإسلامية في الحكم أو تولي الحكم تماما، وهي تجربة ما زالت في بدايتها وفي ظروف خاصة جدا لتاريخ تركيا وعلاقاتها مع أوروبا والتطرف العلماني الذي رسخّه 'كمال أتاتورك' وورثته ضد كل مظهر إسلامي إلا انه لم ينجح في اقتلاع العقيدة والدين من قلوب ونفوس الأتراك.

 

اليوم يصنع الأتراك بقيادة حزب العدالة والتنمية ورجاله تاريخا جديدا لتركيا، في حين يتدهور الوضع العربي من بلد إلى بلد، ويخرج العرب تدريجيا من التاريخ بعد فشل ذريع لمشروع الدولة الوطنية القومية الذي بدأ بعد انتهاء الحقبة الاستعمارية لغياب الرؤية وفقدان البوصلة وانعدام الحريات العامة والتردد في إرساء حياة ديمقراطية. فهل كان السبب كما يقول البعض هو علمانية تركيا أم ديموقراطيتها ؟ وهل العلمانية كما يدعي البعض شرط لازم لحياة ديموقراطية؟ هذا سؤال هام يحتاج الى بحوث معمقة ودراسات واسعة الا انني وبسرعة ضد ان السبب هو علمانية تركيا وقد اثبتت تجارب عديدة انه لا ارتباط بين العلمانية والديموقراطية وإلا فإننا بذلك نضع عقبة كبيرة جدا ضد التحول الديموقراطى في بلاد المسلمين التي لا يمكن لها ان تتخلى عن دينها او عقيدتها وستظل تطالب بتطبيق كامل لشريعتها الاسلامية.

 

في خطوات ثابتة راسخة قام الأتراك خلال الشهور القليلة الماضية بالتالي :

 

• فتح الحدود الجنوبية مع سوريا وتوقيع عدد ضخم من الاتفاقيات مع الحكومة السورية مما يمهد لاتفاقية تعاون استراتيجي بعد أن كادت المشاكل تهدد بنشوب نزاع مسلح مع سوريا قبل شهور، بل أصبحت تركيا هي الوكيل الحصري للوساطة بين سوريا والعدو الصهيوني.

 

• توقيع اتفاق تاريخي مع أرمينيا بعد عداوة تاريخية بسبب ما يتذرع به الأرمن من مذابح في عهد الخلافة العثمانية ضد السكان الأرمنيين.

 

• تهدئة الأوضاع على الحدود الجنوبية الشرقية مع العراق وزيارة تاريخية للبصرة وأربيل وفتح قنصلية بالبصرة والتمهيد لأخرى في اربيل وفتح الحدود لعودة اللاجئين الأكراد إلى قراهم في جنوب تركيا في إطار الخطة الموضوعة لإنهاء المسألة الكردية باحترام الثقافة الكردية والسماح بقيام أحزاب كردية وتعليم اللغة الكردية كلغة ثانية في المناطق الكردية والسماح بإذاعات وتليفزيونات كردية... إلخ.

 

• زيارة إيران والإقرار بحق إيران في امتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية، بل تم طرح تركيا كبديل مقترح لارسال الوقود النووي المخصب من ايران اليها بدلا من روسيا وفرنسا.

 

• زيارة باكستان والاعتراض على السياسات الغربية والأمريكية فيما يتعلق بالأمن والاستقرار في أفغانستان وباكستان رغم قيادة تركيا لحزب 'الناتو' في هذه الآونة.

 

• السعي الجاد للقيام بأدوار إقليمية في كثير من الملفات الشائكة كما سبق بيانه.

 

• التوتر الحاصل في العلاقات شبه الاستراتيجية مع العدو الصهيوني وإلغاء المناورات المشتركة والاعتراض العلني على السياسات الصهيونية في غزة والقدس مما أدى إلى شهادات متتالية من حركات 'حماس' ثم 'حزب الله' وإشادة بالدور التركي مما أدى للاستنجاد بهم للتدخل حيث يغيب العرب أو يتواطأ بعضهم ضد المصالح والثوابت الفلسطينية.

 

كانت تلك المشاكل والتوترات من ميراث الجمهورية الأولى التي أرساها أتاتورك عام 1923م عندما ألغى الخلافة الإسلامية العثمانية والسلطنة وزرع بذرة القومية التركية المتطرفة وحاول إغلاق تركيا على حدود متوترة مع كل أو معظم دول الجوار من اليونان إلى روسيا رغم انه رفع شعار (سلام في الوطن سلام في العالم) بينما يعلن قادة حزب العدالة اليوم انهم يطبقون هذا الشعار في الواقع.

 

الحسنة الوحيدة إن كان له حسنات هي أن أتاتورك بذر بذرة نظام ديمقراطى في جو علمانى صارم، صحيح أنها كانت ديمقراطية متعثرة بسبب تدخل الجيش باستمرار في انقلابات متتالية، إلا أن نزاهة الانتخابات وحرية تشكيل الأحزاب ووعي ونضج الشعب التركي وتمسكه بجذوره الإسلامية ورسوخ العقيدة الإسلامية في قلوب الأتراك وتصميم وعزم آباء الحركة الإسلامية باختلاف فصائلها من 'سعيد النورسي' و'نجم الدين أربكان' و 'فتح الله كولن' وانتهاء بـ 'عبدالله جل' و'رجب طيب أردوغان' على الاستمرار في العمل والتقدم خطوة بعد خطوة رغم كل العثرات والمشاكل، كل ذلك أدّى إلى تطورات هامة وعظيمة نشهدها اليوم في تركيا التي يمكن أن تكون جسرا بين العالم الإسلامي وبين الغرب لإنهاء عداوة تاريخية ما زالت قائمة بسبب الحروب المتتالية في العراق وأفغانستان والاحتلال الصهيوني للمقدسات الإسلامية وأرض فلسطين والنزاعات المستمرة التي تشتعل بفعل التدخلات الغربية في بلادنا والاستنزاف المستمر لثرواتنا والتأييد المتواصل للديكتاتوريات الجاثمة على صدورنا.

 

نجحت تركيا في حل معظم مشاكلها الحدودية تمهيدا لانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي بحيث اصبحت حدوده المتوقعة آمنة، كما نجحت في رسم معالم واضحة لنظامها الديمقراطي، فهل تصبح تركيا النموذج الذي يتعلم منه العرب والمسلمون؟

 

أم أصبحت العودة الى الشرق الاوسط القديم هي الامل والحل بعد ان فشلت الدول الوطنية وفشلت كافة المشاريع الاخرى كالشرق الاوسط الجديد ولم ينجح أحد من المتقدمين لوراثة العثمانية القديمة فأصبحنا امام جمهورية ثانية في تركيا وعثمانية جديدة في المنطقة.