الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 05:00 م

مقالات وآراء

هل عقمت الحركة الإسلامية عن ولادة أديب؟

حجم الخط

بقلم: د. عطالله أبو السبح

      

أكاد أجزم أن الأدب يطيح بنظم ويقيم أخرى، وهو من أهم الوسائل في تنوير الشعوب والارتقاء بوعيهم ورسم ملامح المستقبل، وصناعة الأجيال وصياغة عقول، فكل ثورات الدنيا وراءها أدباء، كما أن تاريخ الدنيا وصفه أدباء، بصرف النظر عن مجالات تخصصاتهم الأدبية، كنا صغارا وكان بعضنا يباهي بعضنا بما يحفظ من أبيات شعر أو قصائد، أو أسماء كتَّاب تلك الكتب، وتعددت الكتب التي كنا نتبادلها سنواتئذ، ويأتي في مقدمتها طرزان، ومغامرات اللص الظريف (أرسين لوبين)، والمفتش الذكي ( شرلوك هولمز)، فضلا عن الروايات العالمية وسلسلة روكامبول ، ثم انتقلنا إلى روايات إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ويوسف إدريس ، التي لم تخل قط من حديث عن (الجنس) يكون مكشوفا في أحايين كثيرة ، ومغطى في بعض الأحيان، حتى دخل إلى عقولنا شعر نزار قباني وكامل الشناوي .. وأكاد أجزم بأن هذا السيل الذي دخل عقولنا في تلك المراحل من أعمارنا قد أصاب عاداتنا وأعرافنا بأمراض لم يكن من السهل الشفاء منها ، فنشأ جيل هائم حائر قد امَّحت أو كادت ملامح هويته ، حتى فقدها كثير منا ، واختلطت الأمور ...
 
وعندما كبرنا تعرفنا على تولستوي ، وهوجو ، ويوسف متزيني ، قرأنا الآداب الجادة ( البؤساء، الحرب والسلام ، قصة مدينتين ، الشيخ والبحر،... ) ، فوجدنا كتابة غير كتابة أدبائنا ، ونماذج إنسانية غير النماذج التي يعرضها كتابنا ، واكتشفنا الفرق بين السذاجة والروعة ، وبين التقليد والإبداع ، بين الهدم والبناء .. ومرت السنوات بنا إلى الوطن ... الذي يحمل أسمى قضية ، وأغنى تفاصيل ، وأكثف الألوان والمشاعر ، فوجدنا عددا من الشعراء وهم كثر وجدنا (أبو سلمى ، هارون رشيد ، إبراهيم طوقان ، فدوى طوقان ... وجدنا محمود درويش ، سميح القاسم، وتوفيق زياد .. ) ووجدنا روائيين على قلتهم إلا أنهم أقل شهرة وأقل تأثيرا ومساهمة ، مع قلة المتابعين والقراء ، وباستعراض الأسماء فإنها تشير إلى ضعف إسهام المنتسبين للحركات الإسلامية أو تنظيماتها في هذا الميدان حتى ليصل إلى درجة العدم ، فكثيرون هم الخطباء والدعاء وكثيرون هم الأكاديميون الذين حصلوا على الأستاذية في فنون الأدب ، ولكن لا أذكر أن بينهم واحدا له رواية أو قصة قصيرة ، رغم ما لهذا الفن من تأثير خطير في التنوير والتثقيف والحفاظ على منظومة القيم مقابل من يهدمها ، وكأن الحركات الإسلامية قد أصابها العقم فلم تلد أديبا يكتب الرواية بكفاءة إحسان عبد القدوس مثلا ، أو نجيب محفوظ، مع اختلاف المنهج والمعالجة والقضية ، لم تحظ القضية الفلسطينية بأديب فلسطيني بأصول فكرية وعقائدية إسلامية، رغم أنها القضية الأهم، ورغم الحاجة الماسة لهذا الفن ، لقد حشت أقلام عنيت بأدب الفراش والإباحية أدمغة أربعة أجيال ، وقد تخلف القلم الإسلامي الحركي .

 

شدتنا لسنوات كتابات نجيب الكيلاني ، فأين نجيب الكيلاني الفلسطيني ؟ وكان ( للتغريبة الفلسطينية) مكان بارز بين الفضائيات ، فهل تكفي؟  في كل زقاق فلسطيني رواية وستكون أعظم من ( زقاق المدق ) لنجيب محفوظ إذ ستكون خالية من غرز الحشيش والراقصات والخيانة الزوجية وعشق المناضل للغانية ، والزقاق الفلسطيني يبحث عن فلسطيني يكتب عنه ، ومن المؤكد أن في كل بيت فلسطيني رجلا ، ولكن من المؤكد أنه لن يكون إبراهيم حمدي صاحب إحسان عبد القدوس ، فلن تكون له عاشقة ونظرات حالمة وتنهدات ودموع ولكنه الاستشهادي والمرابط ، فهل من يكتب عن الرجل في البيت الفلسطيني ؟ وأعود لأسأل: هل عقمت الحركات الإسلامية الفلسطينية أن تلد أديبا روائيا يأخذ بأيدي أجيال إلى معاني الحرية والكرامة والثبات والعطاء والتضحية والصمود ، هل عقمت الحركات الإسلامية أن تقدم لنا روائية ملتزمة مقابل أحلام مستغانمي وغادة السمان ، يا عمادة الأدب ودكاترتها وأساتذتها إن رواية عمارة يعقوبيان لعلاء الأسواني ورواية شيكاغو لنفس الكاتب تطبع مرات ومرات وبمئات آلاف من النسخ وما قدم فيهما إلا المجون والانحلال والسفالة ، وتتخاطفها الأيدي الشابة ، حتى أن رواية شيكاغو أعيدت طباعتها 3 مرات في شهر واحد ، فهل تقدمي لنا علاء ( الإسلامي ) الذي يقدم لنا ( عمارة أبو رائد الديري ) مثلا ، بدل هذا المجون ... يا أدباءنا ، إن فولتير هو أبو الثورة الفرنسية ، ومتزيني هو أبو الثورة الإيطالية ، وقيل إن توفيق الحكيم هو أبو الثورة المصرية ... فأين أب ثورة الفرقان ؟؟ أين ؟؟؟