الجمعة 02 يناير 2026 الساعة 05:01 م

مقالات وآراء

أهذا زوج ؟

حجم الخط

د. عطا الله أبو السبح
   
   

شابة في مقتبل العمر ، نحيلة كعود من البوص ، تبكي بمرارة وبحرقة ، تشكو من مرض جلدي افترس أصابع يديها ورجليها ، أحدث فيها تقرحات ، ترك والدها أسرته (زوجة وثلاث بنات ) ليتزوج من امرأة أخرى ، وأخذته إلى بعيد ، ولم يعد لهم أب ، بلا توجيه ولا تربية ولا نفقة ولا حتى سلام أو كلام .. حارت الأم ، والحرة تموت ولا تأكل بثدييها ، أخذت تدور على الجمعيات الخيرية والكوبونات والمحسنين ، وكانت تعيش على حد الموت ، وحد العراء، وحد العري ، ولأول طارق زوجت كبراهن ، رغبة في التخفف من أعبائها ، وأملا في الستر والاستقرار ، ولم تمض غير أيام حتى اكتشفت ( العروس) أن ( العريس) بخيل، يقتر عليها حتى في جرعة الماء ، يضربها ضرب العير لو اكتشف أنها غفلت عن إطفاء مصباح، مع سيل من الشتائم والتوبيخ ، والزجر ، مع عقوبة صارت عادة مؤكدة هي حرمانها ليوم أو يومين من ( الطبيخ ) ، ولا بأس أن يمنعها من كسرة خبز ، وحسب زعمها ، ليس في بيتها قطعة صابون ، وأما هو فيقضي أغلب يومه خارج البيت ، وإذا جاءه فمقطباً ، ومزمجراً ، ( يشمشم) حولها إن كانت قد كسرت ( الحصار)، وتمردت على ( العقوبة )، فإذا ما اكتشف أنفه ذلك أدمى أنفها بقبضة ( ناشفة ) وغسل وجهها بالبصاق ، ولم يمض إلا بضعة أشهر حتى رمى بها إلى الشارع ، وحسب زعمها فقد تزوجته على مهر كله مؤجل ، لم تقبض منه فلساً واحداً، وعليه، فعندما وجدت نفسها في الشارع ، وجدت نفسها بجلبابها الذي زفت إليه به ...
 
استمعت إليها وأنا بين مصدق ومكذب ضايقني سردها وهي شارقة بدموعها ، وأنفاسها المتلاحقة تقطع أوصال كلماتها !! تملكتني الحيرة !! هي ابنة عائلة معروفة ، فيها من ذوي اليسار ومنهم من يشغل مناصب مرموقة في غزة وفي رام الله ، ومنهم من رجال الإصلاح ، فأين هؤلاء جميعا من مأساة كهذه المأساة ، لماذا لم تتوجه هذه ( المنكوبة) إلى واحد منهم ؟ ولماذا لم ينظم هؤلاء مشروعاً للتكافل الاجتماعي ، يضمن لهذه المرأة وأمثالها حياة كريمة ولو بحدها الأدنى ، فما تفعله لا يليق بكرامة ( العائلة ) ورجالها ، وليضع أولئك احتمالا لا يستبعد وقوعه ، وهو أن تقع هذه المرأة بين براثن ذئب آدمي ، فيسقطها في حمأة الرذيلة ومستنقع الغواية !! فهل تبقى لهم من كرامة أو حسب ، ناهيك عن الضرر الذي يصيب المجتمع ، فإن وقعت كانت مصيبة كبيرة ، لنا أن نتصور أبعادها، إذا استدعينا إلى الذاكرة ما فعله العملاء والعميلات من بلايا ومصائب ، فكم من أعراض هتكوا، وكم من أسر مزقوا ، وكم من شباب قد أسلموهم إلى آلة الموت اليهودية... مزقوا تنظيمات فدائية ، ودمروا مشاريع نضالية ، بعد أن باعوا ضمائرهم وآدميتهم بأبخس الأثمان وأحطها ، ثم لماذا لم يتحر الأهل في تزويج بناتهم ممن يرضون دينهم وأخلاقهم ؟ نعم قد يتحرون ثم يخيب أملهم ، إذ يكتشفون أنهم قد زوجوا ذئباً أو ثعلباً قد جاءهم في ثياب الصالحين ، لا بأس ، فلقد قاموا بما ينبغي من سؤال وألف سؤال ، وبعد ذلك فالأمر بيد الله !! إن أمر هذه المرأة يوجب على الدعاة أن يخلعوا عن خطبهم أثواب السياسة والحديث فيها – فلقد أمسى كلاماً مكروراً ومملاً، ويبعث على السأم غير ذي فائدة – فليعودوا إلى أمراض المجتمع ليعالجوها بوسطية واعتدال، ليتعافى المجتمع حتى نتمكن من تعزيز أسباب الصمود ، وأخيرا فعلى المحاكم الشرعية أن تولي اهتماماً أكبر لرفع الظلم الواقع على هذه المرأة وأمثالها ، وعلى الشرطة أن تقوم بدورها بأكثر كفاءة وحزم ، وإلا فالضرر واقع لا محالة ، وهو خطير خطير.