د. فايز أبو شمالة
من أين أتيت بكل هذه الأضاحي، يا غزة؟ وكيف نجحت في ملء ثلاجات الناس بلحوم العجول والغنم؟ إذ لم يبق بيت واحد في غزة لم تطفح حلله لحماً طرياً، ولم يبق بيت لم يغرق بدهن عشرة آلاف رأس عجل ذبحت في أيام العيد، وفاحت رائحتها من شوارع قطاع غزة، بما يعادل كيلو ونصف لحمة للفرد الواحد، وزع بعضها من خلال الأونروا، والجمعيات الخيرية، والحركات الإسلامية، والمؤسسات الإنسانية.
البعض حاول أن يصور العيد في غزة عكس ذلك، ولا أعرف أهدافهم، وقد لا يرضيهم وصفي الدقيق لحالة الشبع في غزة، وازدحام نواصي الشوارع بدخان من يشوي اللحوم، وقد يقول آخرون: إن حديثك هذا متشبع بالمبالغة، وفيه تحريض على عدم تقديم المساعدات لغزة! وهذا كلام غير صحيح، لأن المساعدات العربية والإسلامية التي تتدفق على غزة لم يكن هدفها كسر الحصار فحسب، وإنما هدفت إلى تعزيز صمود غزة، والشد على يدها المقاومة لـ(إسرائيل)، والجميع يعرف أن حصار غزة فرض عليها لأنها اختارت المقاومة، ولولا المقاومة التي تمثل إرادة العرب والمسلمين لما استحقت غزة هذه المساعدات المتدفقة، ولو خنعت غزة لجاعت. لذلك يجب الاعتراف بأن بركات عيد الأضحى قد فاضت على غزة حتى امتلأت ثلاجات فقرائها باللحوم لأن غزة قاومت! ومن لا يصدق، ليسأل الناس: هل أنتم بحاجة إلى مزيد من اللحوم، أم أصابت التخمة ثلاجاتكم؟
سألت وزير الاقتصاد المهندس زياد الظاظا عن إمكانية فرض ضريبة على البضائع المهربة من الأنفاق، ولاسيما أن سعر السولار والبنزين قد اقترب من شيكل، وبعض السلع صار سعرها أقل بكثير مما كان عليه قبل الحصار، وعلى سبيل المثال وصل سعر كيلو السمك الطازج إلى خمسة عشر شيكلاً. قال نائب رئيس مجلس الوزراء: نحن نشجع التجار على كسر الحصار، وتوفير ما يحتاجه الناس في قطاع غزة بطريقتهم الخاصة، بما في ذلك حفر الأنفاق، ولا نفرض عليهم أي ضرائب، ولا غضاضة لدى حركة حماس أن يصير مواطنو غزة أثرياء من وراء عملهم في الأنفاق، فالمال الذي يكسبه تجار الأنفاق في غزة يظل في الوطن، ويعاود دورته المالية داخل قطاع غزة. أما حركة حماس فلا علاقة لها بعمل الأنفاق الذي يعتبر إبداعاً إنسانياً، أو إرادة فلسطينية في كسر الحصار، ومن لا يعجبه ذلك، ليعتبر الأنفاق إبداعاً فردياً عزز لدى أهل غزة إرادة الصمود والمقاومة.


