الأحد 28 ديسمبر 2025 الساعة 12:04 ص

مقالات وآراء

اللحظات المصيرية قبل الموت

حجم الخط

بقلم د. خالص جلبي

قرأت كتاباً مثيرا كتبته صحفية مصرية عن اللحظات الأخيرة للمحكومين بالأعدام وكيف تتم وماذا كانت الارتكاسات الناس في هذه اللحظات المصيرية.
 
تقول إنهم في الليلة السابقة للموت لايخبرون وعلى العكس فيغدق عليهم بالطعام مما يشعرهم بأن الأجل بعيد وحبل المشنقة أقرب من شراك نعل أحدهم . وعند الصباح يطرق عليهم الباب ويخبرون بأن أمامهم رحلة الى العالم الأخروي فليستعدوا . وطبعاً كل هولاء تكون قد صدرت بحقهم أحكام الأعدام وهم ينتظرون لحظة الخروج من عالم الدنيا الى الآخرة في أجل لايعرفونه بسبب غياب خبر تصديق الحكم عنهم .
 
تقول الصحفية ـ ولا أدري كيف دخلت امرأة في هذه المغامرة لتنقل أخبار تقبض القلب ـ إن أعجب من مر عليها اثنان فأما الأول فلم يصدق أنه سيعدم وكان قاتلاً لأمه بسبب قبضة دراهم سرقها منها على ذمة الصحفية فوقع على الأرض فتم سحبه جراً الى حبل المشنقة وهو شبه مغمى عليه وعلق على حبل الموت وهو مثل الخرقة .
 
أما الثاني فكان شقيا جبارا على عكس هذا الذي تهاوى من الفزع فقد استقبل الموت كمن يذهب في رحلة سياحة ممتعة ونظر في وجه الجميع وعلى وجهه ابتسامة عريضة وقال لهم إنها موتتي ويجب ان أتمتع بها وطلب سيكارة دخنها بشغف ثم استقبل الموت بدون عصابة على العين وبكامل الثقة .
 
تقول الصحفية وهناك بين هذين النموذجين نماذج أخرى متفاوتة فمنهم من صرخ من الرعب ومنهم من طلب التأجيل ومنهم من قال أنا مظلوم ومعظمهم يقول هذا ومنهم من صمت وعلى وجهه صفرة الموت وعرقه البارد ومنهم من تقدم مترنحاً .
 
وفي سويسرا توجد معاهد عجيبة اليوم لاستقبال أناس جاؤوا بأقدامهم يطلبون الموت وهناك أكثر من معهد بعنوان (منظمة مساعدة طالبي الموت ) ومنها معهد (ديجنيتاس Dignitas) وآخر يحمل اسم (الخروج Exit) ولعلهم يقصدون به الخروج النهائي من هذا العالم . وتذكر مجلة در الشبيجل الألمانية في عددها 50 لعام 2000 أن السيدة ماريانا حددت يوم موتها على وجه الدقة بأن يتواعد مع يوم زفافها الـ 35 وكان عمرها 68 سنة .
 
وكانت هذه السيدة قد أصيبت بورم سرطاني في الوجه وأجرت له العمليات تترى فلم يزدد الا وخامة وبعد أربعين عملية جراحية تحول وجهها الى خارطة مشوهة فكانت تغطي وجهها بقناعات مثل مجذومي العصور الوسطى وطوقها الألم حتى لم يعد يسكنه المورفين . تقول السيدة (جابرييلا فريكر ) التي رافقت السيدة ماريانا الى بوابة الموت لم يمر علي أحد بهذا الحماس لاستقبال الموت الذي كانت تنتظره بالدقائق والثواني .
 
أما السيدة (ماريا أومبرجر) من مدينة (ايلزاخ) من منطقة (الغابة السوداء) من جنوب ألمانيا فقد وصفت ابنتها (سيبيلا أورت ليب) أنها في عامها الستين قررت وضع حد لحياتها فقد انفجر عندها ورم قبل 27 عاماً وتابع رحلة انتشاره في الجسم وفي الأيام الأخيرة قال لها الأطباء لقد استنفدت فرصك من العلاج وليس أمامك الآن الا تناول المسكنات .
 
تقول ابنتها كانت الكلمات الأخيرة التي قالتها : ( ياه ما أجمل أنه رائع أن تمضي هكذا ) وماتت وهي في وضعية الوقوف وهي ترشف جرعة (بينتوباربيتال الصوديومPentobarbital Natrium - ) وكانت تحب أن تنهي حياتها هكذا. إن أكثر الأمور إثارة في هذا المنظر ليس فقط رهبة الموت بل الخوف على المرافقين ففي المنظر سحر عجيب حيث يستقبل الموت انسان بكامل إرادته وبكل هدوء وبكل تصميم .
 
وبالطبع فإن ماسمحت به سويسرا أن تسمح لطالب الموت أن لايمنع من ذلك فهذه رغبته وهو قراره ويجب أن يساعد ضمن شروط مدروسة تماماً كما في الحالات الميؤوس منها لايعني أنه قرار حكيم والموت هو بيد الله . وتبارك الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم احسن عملا وهو العزيز الغفور.