الأربعاء 31 ديسمبر 2025 الساعة 06:22 م

مقالات وآراء

جاهلية ولعب عيال

حجم الخط

بقلم: مصطفى الصواف

نار مشتعلة، وكرتها تتدحرج شيئا فشيئاً ما لم يتم استدراك خطرها شعبياً، وليس على مستوى الحكام، الذين أشعلوها عبر الإيحاء إلى وسائلهم الإعلامية لتأجيج نار الحرب المستعرة، وعلى ماذا، على كرة كلاهما فيها خاسر، ولكنها مناسبة من أجل صنع الملهاة التي تشغل الناس عن ما يجري في بلادهم على كل الصعد.

 

ولا أريد أن أتوسع في مناقشة الأوضاع في كل من مصر والجزائر، والحديث عن الأسباب الحقيقية التي دفعت المسئولين في كلا البلدين لهذه الحرب المستعرة حتى اللحظة، والتي أعقبت مباريات كرة القدم بين المنتخبين المصري والجزائري؛ لأن الجميع يدرك الأمر ولا أريد أن أزيد على الهم هماً جديداً في كثرة الحديث.

 

ولكن السؤال الذي لم يجد له البعض إجابة، لماذا كل هذا الذي جرى؟، أليست هي لعبة كرة قدم؟، والنتيجة فيها معروفة مسبقا، فائز وخاسر، وطبل وزمر من جمهور فارغ، ومولد ينتهي، وسرعان ما نعود لمولد جديد، فزنا اليوم ونغلب غداً، وهل توقف العالم عند مباراة مصر والجزائر الفاصلة في السودان؟، أم أن الذي توقف هو العقل والمنطق السليم لدى الدولتين واللتين صنعتا هذه الحرب بلا ثمن، والأمة بحاجة إلى لحظة وفاق وتوافق وزرع للحب والاحترام، وليس للشقاق والتناحر والتقاذف واستدعاء السفراء.

 

غريب أمر الساسة، ماذا سيجنون من وراء ما أشعلوه من نار؟، هل سيحققون نصرا؟، أو سيوقفون قتلاً وخراباً؟، أو يصنعون ملهاة سيجني منها الشعبان الحسرة والندامة نتيجة القتل والموت لبعض المواطنين، نتيجة الدماء التي سالت في الخرطوم والجزائر والقاهرة، نتيجة لتدمير الممتلكات والاعتداء عليها؟.

 

أين نحن مما ما نعاني على كل الصعد؟، سياسياً، وعسكرياً، ووطنياً، وعربياً، وقومياً، وإسلامياً، الكل يتقاذفنا كما تتقاذف الأمواج جيف البحر ثم تلقي بها إلى الشاطئ، لماذا لم تثور هذه الأنظمة والقدس يهود ويدمر ويخطط ليهدم من قبل يهود، والتهديد جارٍ على قدم وساق؟، فلو هدم الأقصى سنحرك عشرات الآلاف من الجماهير بل مئاتها وملايينها كما حركت في مباراة لكرة القدم؟، أنا لست ضد الرياضة أو مشاهدة هذه المباريات، فهي ترويح عن النفس، وهي لإشاعة المحبة والتعاون، أما أن تتحول هذه المباريات إلى حرب مدمرة للعلاقات الأخوية فهذا هو الأمر المرفوض.

 

الرياضة شيء محبب إلى النفس، ولكن هذا التعصب وهذا الجنون هو مرض ناتج عن تخلف فكري وعقلي وسياسي، مقصود ومرسوم له لتحقيق بعض القضايا أو لتجاوزها في لحظة ما، خاصة أن مجتمعاتنا العربية تعيش حالة من الإفلاس، وتريد أن تزرع الوهم في نفوس المواطنين عبر الكرامة المزيفة والانتصار لها، والتعصب الأعمى المضر بمصالح الدولتين بصفة خاصة ومصالح العالم العربي بشكل عام.

 

كرامة مصر هي من كرامة العرب، وكرامة العرب من كرامة مصر، وكذلك الجزائر وغيرها من الدول العربية، فلا كرامة لعربي عندما تنتهك كرامة عربي آخر حتى لو لم يكن من نفس البلد، وعلى الدول العربية أن تعمل على حفظ كرامتها وكرامة شعوبها وفي نفس الوقت أن تحرص على كرامة الآخرين مهما كانت الخلافات الطارئة على العلاقات العربية العربية.

 

يجب الخروج من هذه الحالة المحزنة في العلاقة العربية وتحديدا العلاقة المصرية الجزائرية وعلى كل من الرئيسين المصري حسني مبارك والجزائري عبد العزيز بوتفليقه العمل بشكل سريع على اللقاء فيما بينهما في أي من دولتيهما مصر أو الجزائر وليس خارجهما، وأن تعزز هذه العلاقة بكل أشكال التعزيز حتى يتم طي صفحة مؤلمة وحزينة ما كان لها أن تكون بين شعبين عريقين لهما مكانتهما ولهما تضحياتهما الجسام، وكذلك لهما وزنهما السياسي العربي والدولي.