الإثنين 28 سبتمبر 2020 الساعة 05:49 ص

مقالات وآراء

عن نكسة حزيران من زاوية إسلامية

حجم الخط

 

تبارى عديد من الكتاب والمعلقين وخبراء السياسة بالإضافة إلى معظم وسائل ‏الإعلام العربية وفضائياتها المخترقة للآفاق للحديث عن ذكرى مرور أربعين عاما ‏على نكسة حزيران ، والتي فيها هزمت جيوش الأنظمة العربية الرسمية أمام ‏دولة الكيان الصهيوني، أرجأ معظم المنخرطين في الحديث عن النكسة من حيث ‏أسبابها والنتائج التي تمخضت عنها ، إلى أن تلك الأنظمة وعلى رأسها النظام ‏الناصري المصري ، لم تكن مستعدة لخوض حرب مع إسرائيل ، وان مصر والعرب ‏جروا إلى تلك الحرب جراً ، ومنهم من عزا الأمر إلى الخيانة التي حصلت كما هو ‏الحال مع قائد القوات المشتركة المشير عبد الحكيم عامر ، ومنهم من قال إن السبب ‏يعود إلى عدوان إسرائيل نفسها على مصر من اجل إجهاض مشروعها القومي العربي ‏الذي كان جمال عبد النا صر  يتطلع إليه .‏
 

لكن بالعودة إلى ما قبل حدوث هذه النكسة عام 67 ، نجد أن مصر من حيث  العدة ‏والعتاد العسكري سواء أكان الأمر متعلق بعدد الدبابات أو المدرعات أو الطائرات أو ‏غيرها ، كانت تتفوق على إسرائيل ، هذا عدا عن الحديث عن العدة والعتاد لدول مثل ‏سوريا والأردن وغيرهما ، أما الحديث عن الخيانة وعلى مستوى قائدة بحجم عبد ‏الحكيم عامر وكذلك عن عدوان إسرائيل ومباغتتها لمصر وسوريا ، فهذان أمران غير ‏مبررين للقيادة العليا للبلد ، فكان على تلك القيادة أن تحترس للأمرين معا ، وهو أمر ‏عادي يجب توقعه عند الدول التي تحيط بها المخاطر من قبل الأعداء .‏

 

لكن لماذا كانت نكسة حزيران كبيرة جدا وفائقة للتصور من حيث حجم الهزيمة والدمار ‏الذي لحق بالجيوش العربية وفي مقدمتها مصر؟؟ ففي اليوم الأول لهذه الحرب استطاع ‏الطيران الإسرائيلي أن يدمر معظم الطائرات والمطارات المصرية وهي رابضة على ‏الأرض ، بالإضافة إلى ما تملك سوريا والأردن من طائرات عسكرية ، وكانت بذلك ‏الحرب شبه محسومة في الساعات الأولى منها لصالح إسرائيل ، والمعنى أن الهزيمة ‏والنكسة كانت تحت العادة بكثير ، فغير معقول في العرف والتقليد العسكري أن تلحق ‏هزيمة بالأنظمة العربية بهذا الحجم والسرعة في آن ، أنا لا استطيع ولا يمكن أن أقول ‏أن جمال عبد الناصر كان خائنا أو متآمرا على شعبه والعرب ، لكن ومع ذلك لماذا ‏حدثت هذه الهزيمة برغم كل شيء ؟، برغم عدوان إسرائيل ومباغتتها ، وبرغم ‏الخيانة من عبد الحكيم عامر الذي أعطى الطيارين المصريين إجازة قبل الحرب بيومين ‏، رغم أن مصر كانت تحيا في حالة حرب بفعل إغلاق جمال عبد الناصر لمضائق تيران ‏وبالتالي سد الملاحة في وجه إسرائيل ، وكان ثمن الخيانة من قبل عبد الحكيم عامر ‏ملايين الدولارات المزورة التي أعطته إياها إسرائيل ، لكن برغم كل ذلك ، هل معقول ‏أن يكون أمر مصر كلها متوقف على هذا العبد الحكيم عامر ؟ فلماذا مرة أخرى  حدثت ‏النكسة النكراء ؟.‏
 
لو كان الحديث عن نكبة ال48 ، لقلنا إنها حاصلة وحتمية بفعل واقع خيانة الأنظمة ‏العربية وارتباطها المباشر بالاستعمار الغربي ، وكلنا يعرف أن دخول الجيوش العربية ‏إلى فلسطين ، كان مبرمجا ، من اجل إعطاء الغطاء والشرعية لإقامة دولة إسرائيل ، ‏من خلال إلحاق الأخيرة بعصاباتها وميليشياتها الهزيمة بتلك الجيوش العربية ، ومن ‏ثم التوصل إلى هدنة تحمى بموجبها حدود تلك الدولة القائمة على أنقاض شعب آخر ، ‏نحن لا نتكلم عن خيانة تلك الأنظمة وتسليمها لفلسطين من باب التجني وكيل التهم لها ‏، بل إن الوقائع والحقائق من طرفها تتحدث عن ذلك ، فهل الجيوش التي تريد ‏الانتصار ، لا تعد نفسها لهكذا مراد ، الم تكن العصابات الصهيونية تتفوق على هذه ‏الجيوش الشكلية عدة وعتادا ، فكيف هو الانتصار إذن ،؟ ثم إن هذه الجيوش تريد ‏انتصارا ، وهي نفسها التي قمعت وحلت كل القوى الوطنية الفلسطينية المقاومة في ‏حينها ، بل وطاردت رموزها السياسية والعسكرية ، تحت الخدعة القديمة الجديدة ‏ضرورة توحيد السلاح.‏
 
إن الفلسفة وراء نكسة حزيران 67 ، هو أن هذه المنطقة العربية ، هي منطقة مكلفة ‏ربانيا ، بمعنى أنها لا يمكن أن تحقق انتصارا بغير الإسلام ، منطق وفلسفة التكليف ‏تقولان : أن هذا التكليف الخاتم العالمي الإنساني عن طريق سيدنا محمد صلى الله عليه ‏وسلم العربي الأمي وبالتالي ما يرتبط ذلك التكليف بعموم الجغرافيا والديمغرافيا العربية ‏هو تكليف غاية في الصعوبة وفي المسؤولية ، لكون أن التكليف له منطلق العالمية ‏والإنسانية ، وهو في نفس الوقت أي هذا التكليف يُلمح منه نوعا من التشريف بحكم ‏الاختيار ، وهو من باب العدل في تحقيق طرفي الميزان:
 
مسؤولية كبيرة جدا جدا ‏يقابلها نوع من التشريف والتكريم الكبير جدا ، طبعا بمقتضى وتطبيق وتنفيذ تلك ‏المسؤولية ، ولذلك وعبر التاريخ العربي، نجد أن العرب لا قبل الإسلام ولا بعده وحتى ‏يومنا هذا قد حققوا نصرا بغيره ، الملاحظ في موضوعة التكليف الرباني للمنطقة ‏العربية ، أن النصر والهزيمة لها في معظم الأحيان لا تخضعان للمعايير الإنسانية ‏العادية ، فحين تكون الهزيمة نلحظ أنها تحت العادة وفي غير المتصور والمألوف ، ‏ولنا في نكباتنا ونكساتنا خير دليل .
 
وأما حين يكون النصر ، فلنحظ أيضا انه فوق ‏العادة وفوق المتصور المعتاد من انتصارات الأمم الإنسانية ، ولنا في انتصاراتنا عبر ‏التاريخ العربي الإسلامي أكبر مثال ومرشد ، لنقارن بين نكسة حزيران بالعدة والعتاد ‏وبين انتصار حزب الله والمقاومة الفلسطينية وهزيمة إسرائيل في تموز العام الماضي ‏برغم تواضع العدد والعدة ، وكأني بنفسي تريد أن تقول أن المنطقة العربية إذا نأت ‏بنفسها عن الإسلام ، وجدنا قادتها إما عملاء خون ، أو أنهم على اقل تقدير ‏شخصانيين  فردانيين ، وفي كلا الحالين والنوعين يبقيان عبئا على الأمة بل أدوات ‏فاعلة في إلحاق الهزيمة بها ، لذلك فعبد الناصر لم يكن عميلا ، لكنه كان شخصانيا ‏يحب الذات والظهور .
 
ومن يتصف بهذه الصفات ، فانه حتما سيتعرض لتبعية الآخرين ‏، خذوا هذه القصة التي حدثت قي شهر أيار عام 67 ، حيث كانت القيادة المصرية في ‏حينها تريد مهاجمة إسرائيل ، فعلمت الاتحاد السوفيتي في حينها بالأمر ، فطلبت من ‏عبد الناصر أن يمتنع وان يكون في دور الدفاع والمتلقي للضربة الأولى ، وبالفعل ‏تلقت مصر الضربة الأولى والأخيرة في حينها ، وفي المقابل نرى أن المنطقة العربية ‏إذا ما اقتربت من الإسلام ، وجدنا قادتها المخلصين والزاهدين عن حب الذات ‏والاستعراض ، ولنا اليوم في قادة الحركات الإسلامية في فلسطين ولبنان وفي احمد ‏نجاد خير مثال ، ألستم معي بان نصرنا بالإسلام مضاعف أضعافا كثيرة ، وأنا بغيره ‏هزيمتنا مضاعفة أضعافا كثيرة جدا ، وصدق عمر رضي الله عنه إذ قال قولته ‏المعروفة ' نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله ' ‏