تبارى عديد من الكتاب والمعلقين وخبراء السياسة بالإضافة إلى معظم وسائل الإعلام العربية وفضائياتها المخترقة للآفاق للحديث عن ذكرى مرور أربعين عاما على نكسة حزيران ، والتي فيها هزمت جيوش الأنظمة العربية الرسمية أمام دولة الكيان الصهيوني، أرجأ معظم المنخرطين في الحديث عن النكسة من حيث أسبابها والنتائج التي تمخضت عنها ، إلى أن تلك الأنظمة وعلى رأسها النظام الناصري المصري ، لم تكن مستعدة لخوض حرب مع إسرائيل ، وان مصر والعرب جروا إلى تلك الحرب جراً ، ومنهم من عزا الأمر إلى الخيانة التي حصلت كما هو الحال مع قائد القوات المشتركة المشير عبد الحكيم عامر ، ومنهم من قال إن السبب يعود إلى عدوان إسرائيل نفسها على مصر من اجل إجهاض مشروعها القومي العربي الذي كان جمال عبد النا صر يتطلع إليه .
لكن بالعودة إلى ما قبل حدوث هذه النكسة عام 67 ، نجد أن مصر من حيث العدة والعتاد العسكري سواء أكان الأمر متعلق بعدد الدبابات أو المدرعات أو الطائرات أو غيرها ، كانت تتفوق على إسرائيل ، هذا عدا عن الحديث عن العدة والعتاد لدول مثل سوريا والأردن وغيرهما ، أما الحديث عن الخيانة وعلى مستوى قائدة بحجم عبد الحكيم عامر وكذلك عن عدوان إسرائيل ومباغتتها لمصر وسوريا ، فهذان أمران غير مبررين للقيادة العليا للبلد ، فكان على تلك القيادة أن تحترس للأمرين معا ، وهو أمر عادي يجب توقعه عند الدول التي تحيط بها المخاطر من قبل الأعداء .
لكن لماذا كانت نكسة حزيران كبيرة جدا وفائقة للتصور من حيث حجم الهزيمة والدمار الذي لحق بالجيوش العربية وفي مقدمتها مصر؟؟ ففي اليوم الأول لهذه الحرب استطاع الطيران الإسرائيلي أن يدمر معظم الطائرات والمطارات المصرية وهي رابضة على الأرض ، بالإضافة إلى ما تملك سوريا والأردن من طائرات عسكرية ، وكانت بذلك الحرب شبه محسومة في الساعات الأولى منها لصالح إسرائيل ، والمعنى أن الهزيمة والنكسة كانت تحت العادة بكثير ، فغير معقول في العرف والتقليد العسكري أن تلحق هزيمة بالأنظمة العربية بهذا الحجم والسرعة في آن ، أنا لا استطيع ولا يمكن أن أقول أن جمال عبد الناصر كان خائنا أو متآمرا على شعبه والعرب ، لكن ومع ذلك لماذا حدثت هذه الهزيمة برغم كل شيء ؟، برغم عدوان إسرائيل ومباغتتها ، وبرغم الخيانة من عبد الحكيم عامر الذي أعطى الطيارين المصريين إجازة قبل الحرب بيومين ، رغم أن مصر كانت تحيا في حالة حرب بفعل إغلاق جمال عبد الناصر لمضائق تيران وبالتالي سد الملاحة في وجه إسرائيل ، وكان ثمن الخيانة من قبل عبد الحكيم عامر ملايين الدولارات المزورة التي أعطته إياها إسرائيل ، لكن برغم كل ذلك ، هل معقول أن يكون أمر مصر كلها متوقف على هذا العبد الحكيم عامر ؟ فلماذا مرة أخرى حدثت النكسة النكراء ؟.
لو كان الحديث عن نكبة ال48 ، لقلنا إنها حاصلة وحتمية بفعل واقع خيانة الأنظمة العربية وارتباطها المباشر بالاستعمار الغربي ، وكلنا يعرف أن دخول الجيوش العربية إلى فلسطين ، كان مبرمجا ، من اجل إعطاء الغطاء والشرعية لإقامة دولة إسرائيل ، من خلال إلحاق الأخيرة بعصاباتها وميليشياتها الهزيمة بتلك الجيوش العربية ، ومن ثم التوصل إلى هدنة تحمى بموجبها حدود تلك الدولة القائمة على أنقاض شعب آخر ، نحن لا نتكلم عن خيانة تلك الأنظمة وتسليمها لفلسطين من باب التجني وكيل التهم لها ، بل إن الوقائع والحقائق من طرفها تتحدث عن ذلك ، فهل الجيوش التي تريد الانتصار ، لا تعد نفسها لهكذا مراد ، الم تكن العصابات الصهيونية تتفوق على هذه الجيوش الشكلية عدة وعتادا ، فكيف هو الانتصار إذن ،؟ ثم إن هذه الجيوش تريد انتصارا ، وهي نفسها التي قمعت وحلت كل القوى الوطنية الفلسطينية المقاومة في حينها ، بل وطاردت رموزها السياسية والعسكرية ، تحت الخدعة القديمة الجديدة ضرورة توحيد السلاح.
إن الفلسفة وراء نكسة حزيران 67 ، هو أن هذه المنطقة العربية ، هي منطقة مكلفة ربانيا ، بمعنى أنها لا يمكن أن تحقق انتصارا بغير الإسلام ، منطق وفلسفة التكليف تقولان : أن هذا التكليف الخاتم العالمي الإنساني عن طريق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم العربي الأمي وبالتالي ما يرتبط ذلك التكليف بعموم الجغرافيا والديمغرافيا العربية هو تكليف غاية في الصعوبة وفي المسؤولية ، لكون أن التكليف له منطلق العالمية والإنسانية ، وهو في نفس الوقت أي هذا التكليف يُلمح منه نوعا من التشريف بحكم الاختيار ، وهو من باب العدل في تحقيق طرفي الميزان:
مسؤولية كبيرة جدا جدا يقابلها نوع من التشريف والتكريم الكبير جدا ، طبعا بمقتضى وتطبيق وتنفيذ تلك المسؤولية ، ولذلك وعبر التاريخ العربي، نجد أن العرب لا قبل الإسلام ولا بعده وحتى يومنا هذا قد حققوا نصرا بغيره ، الملاحظ في موضوعة التكليف الرباني للمنطقة العربية ، أن النصر والهزيمة لها في معظم الأحيان لا تخضعان للمعايير الإنسانية العادية ، فحين تكون الهزيمة نلحظ أنها تحت العادة وفي غير المتصور والمألوف ، ولنا في نكباتنا ونكساتنا خير دليل .
وأما حين يكون النصر ، فلنحظ أيضا انه فوق العادة وفوق المتصور المعتاد من انتصارات الأمم الإنسانية ، ولنا في انتصاراتنا عبر التاريخ العربي الإسلامي أكبر مثال ومرشد ، لنقارن بين نكسة حزيران بالعدة والعتاد وبين انتصار حزب الله والمقاومة الفلسطينية وهزيمة إسرائيل في تموز العام الماضي برغم تواضع العدد والعدة ، وكأني بنفسي تريد أن تقول أن المنطقة العربية إذا نأت بنفسها عن الإسلام ، وجدنا قادتها إما عملاء خون ، أو أنهم على اقل تقدير شخصانيين فردانيين ، وفي كلا الحالين والنوعين يبقيان عبئا على الأمة بل أدوات فاعلة في إلحاق الهزيمة بها ، لذلك فعبد الناصر لم يكن عميلا ، لكنه كان شخصانيا يحب الذات والظهور .
ومن يتصف بهذه الصفات ، فانه حتما سيتعرض لتبعية الآخرين ، خذوا هذه القصة التي حدثت قي شهر أيار عام 67 ، حيث كانت القيادة المصرية في حينها تريد مهاجمة إسرائيل ، فعلمت الاتحاد السوفيتي في حينها بالأمر ، فطلبت من عبد الناصر أن يمتنع وان يكون في دور الدفاع والمتلقي للضربة الأولى ، وبالفعل تلقت مصر الضربة الأولى والأخيرة في حينها ، وفي المقابل نرى أن المنطقة العربية إذا ما اقتربت من الإسلام ، وجدنا قادتها المخلصين والزاهدين عن حب الذات والاستعراض ، ولنا اليوم في قادة الحركات الإسلامية في فلسطين ولبنان وفي احمد نجاد خير مثال ، ألستم معي بان نصرنا بالإسلام مضاعف أضعافا كثيرة ، وأنا بغيره هزيمتنا مضاعفة أضعافا كثيرة جدا ، وصدق عمر رضي الله عنه إذ قال قولته المعروفة ' نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله '