عرضنا في الفترة الأخيرة لحملةٍ شعواء وهجومٍ ظالمٍ من كثيرٍ من حَمَلةِ الأقلام، ومُدَّعي الثقافة، تعرَّضنا لهذه الحملة أشخاصًا وجماعةً ودعوةً ومبادئَ وحركة، وقد بلغت حد الإسفافِ والافتراء، وكان نصيب شعارنا الذي رفعناه لدعايتنا الانتخابية 'الإسلام هو الحل' كان نصيبه من هذا الهجومِ وافرًا وانهالت عليه السهام من كل مكان ومن كل لون.
ورغم أنَّ كثيرًا من هؤلاءِ الرماةِ يُصدرون في مواقفهم هذه عن مصالحِ وتزلفٍ للسلطان، فلو تغيرت مواقف السلطة منَّا، لداروا معها حيث دارت، ولابتلعوا نقدهم المرير، ولانطلقت ألسنتهم وأقلامهم بالمدح والثناء والتبشير، إلا إنني سأضرب صفحًا عن هذه الحقيقةِ المطردةِ منهم والمعهودة فيهم، وسأفترضُ فيهم جميعًا حُسن النية وسلامة الطوية، شارحًا لهم ما نعنيه بهذا الشعار، سائلاً الله تعالى أن يشرح صدورهم ويزيل غشاوتهم، وسألجأ إلى الاختصارِ الشديدِ الذي يناسب ظروف المقال، وإلا لاحتجتُ إلى كتاب.
الإسلام عقيدة وشريعة، والشريعة عبادات وأخلاق ومعاملات، والمعاملات تشريعات تنظيمية وإدارية وجزائية تشمل كل جوانب الحياة، فالعقيدة والعبادة والأخلاق هي التي يقوم عليها الجانب التربوي في الإسلام الذي من شأنه أن يُوقظ الضميرَ ويُوجِد ملكةَ المراقبة لله ويحقق تقواه.
وأما المعاملات التنظيمية فتشمل الجوانب المدنية وأحكام الأسرة وأحكام القضاء، ونظام الحكم وقواعده، وكيفية اختيار رئيس الدولة وشكل الحكومة وعلاقات الأفراد بها وحقوقهم إزاءها، وتنظيم علاقة الدولة الإسلامية بالدول الأخرى في السلمِ والحرب، وتنظيم العلاقات المالية المتعلقة بموارد الدولة ومصارفها، والعلاقة بين الدولة والأفراد.
أما المعاملات الجزائية فتتعلق بتحديدِ علاقة الفرد بالدولة من جهةِ الأفعال المنهي عنها 'الجرائم ومقدار كل عقوبة'، وتتلخص هذه الحقائق كلها في عبارة 'الإسلام دين ودولة'، ولما كان الإسلام دينًا خالدًا فقد اتسمت شريعته بالمرونة والتطور؛ لأنَّ الحياةَ بطبيعتها متطورة، ولذلك فقد جاءت الشريعة بقواعد عامة ومبادئ كلية في جوانبِ الحياة المتغيرة والمتطورة، وسمحت- بل- أمرت العلماء والمجتهدين في استنباطِ الأحكام المناسبة لكل عصرٍ ومكانٍ وملء منطقة العفو التشريعي بما يحتاجه المجتمع من تشريعاتٍ تُحقق العدالة والمصلحة والتيسير ورفع الحرج عن الناس، ومن ثمَّ وجدنا من أصول التشريع بعد القرآن والسنة والإجماع، وجدنا القياس والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع والعرف والاستصحاب... إلخ، وفي هذا المعنى يقول الإمام الشهرستاني: إنَّ النصوصَ تتناهى والوقائع لا تتناهى ولذلك لا بد من اجتهاد المجتهدين.
ولما كانت العقول متفاوتة في فهم النصوص، ومختلفة في اعتماد مصادر التشريع وفي ترتيبها، جاءت اجتهادات المجتهدين مختلفة، ومن ثمَّ وُجدت المذاهب الفقهية التي يجمعها على اختلافها احترامها للشريعة وتوخيها مقاصدها، وهذه المذاهب إنما هي اجتهادات بشرية وليست مقدسة يسعنا الاختلاف معها أو الأخذ منها ما يناسب ظروفنا وأحوالنا.
وإننا حينما نقول إنَّ الإسلام هو الحل إنما نعني بذلك أنه المرجعية التي ينبغي على المسلمين أن يرجعوا إليها ويستمدوا منها ويجتهدوا فيها شريطةَ أن يستكملوا شروطَ الاجتهاد أو أن يختاروا من بين اجتهادات المجتهدين، وهو ما نفعله، ومن ثمَّ فإننا نقرر أننا لا نحتكر الإسلام ولا فهم الإسلام وأن ما نراه إنما هو اجتهاداتنا البشرية أو اختياراتنا من اجتهاداتِ الفقهاء وهي ليست مقدسة كما أسلفت، وأننا نسعد حينما يفعل غيرنا مثلما فعلنا ولو انتهت اجتهاداتهم واختياراتهم إلى غير ما انتهينا إليه.
وأما أولئك الذين يزعمون أنَّ الإسلام دينٌ لا شأنَ له بالدولة فإننا نعرض له حقيقةَ الإسلام وطبيعته من خلال بعض نصوصه في إيجازٍ شديدٍ وأننا حينما نقول إن الإسلام هو الحل إنما نقرر:
الحريات العامة:
1- حرية العقيدة والعبادة ?لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ? 'البقرة: من الآية 256'.
2- حرية الرأي والتعبير حتى ليراجع المسلمون النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو الموحَى إليه، وذلك في غزوة بدر وأحد والأحزاب، وحتى يقول رجل لعمر: 'اتق الله' فيرد: 'لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها'، وحينما تستدرك عليه امرأة وهو على المنبر فيقرّ بخطئه قائلاً: 'أصابت امرأة وأخطأ عمر'.
3- إنما نقرر مبدأ الشورى أو الديمقراطية الإسلامية ?وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ? 'الشورى: من الآية 38' ?فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ? 'آل عمران: من الآية 159'.
4- إنما نقرر حق الشعب في اختيار حاكمه بمحضِ إرادته الحرة حتى ليختار المسلمون أبا بكر خليفةً لرسول الله قبل أن يُواروه- عليه الصلاة والسلام- التراب.
5- إنما نقرر أنَّ هذا الحاكمَ وكيلٌ عن الأمةِ وأنها مصدر السلطات ومن حقها محاسبته 'أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعةَ لي عليكم'، 'لو رأينا فيك اعوجاجًا لقوَّمناه بسيوفنا'.
6- إنما نقرر المساواة الإنسانية العامة ?يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ '13'? 'الحجرات'، 'كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى'.
7- والمساواة أمام القانون 'إنما أهلك مَن كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها'.
8- والمساوة أمام القضاء ?وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ? 'النساء: من الآية 58'.
إنما نقرر حقوق الإنسان في أكملِ صورها وأوسع معانيها:
1- حقه في الحياة ?مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا? 'المائدة: من الآية 32' 'لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجلٍ مسلم'.


