الإثنين 28 سبتمبر 2020 الساعة 04:26 ص

مقالات وآراء

ماذا نعني بشعار 'الإسلام هو الحل'؟

حجم الخط

 

عرضنا في الفترة الأخيرة لحملةٍ شعواء وهجومٍ ظالمٍ من كثيرٍ من حَمَلةِ الأقلام، ومُدَّعي ‏الثقافة، تعرَّضنا لهذه الحملة أشخاصًا وجماعةً ودعوةً ومبادئَ وحركة، وقد بلغت حد ‏الإسفافِ والافتراء، وكان نصيب شعارنا الذي رفعناه لدعايتنا الانتخابية 'الإسلام هو الحل' ‏كان نصيبه من هذا الهجومِ وافرًا وانهالت عليه السهام من كل مكان ومن كل لون.

 

ورغم أنَّ كثيرًا من هؤلاءِ الرماةِ يُصدرون في مواقفهم هذه عن مصالحِ وتزلفٍ للسلطان، ‏فلو تغيرت مواقف السلطة منَّا، لداروا معها حيث دارت، ولابتلعوا نقدهم المرير، ولانطلقت ‏ألسنتهم وأقلامهم بالمدح والثناء والتبشير، إلا إنني سأضرب صفحًا عن هذه الحقيقةِ المطردةِ ‏منهم والمعهودة فيهم، وسأفترضُ فيهم جميعًا حُسن النية وسلامة الطوية، شارحًا لهم ما ‏نعنيه بهذا الشعار، سائلاً الله تعالى أن يشرح صدورهم ويزيل غشاوتهم، وسألجأ إلى ‏الاختصارِ الشديدِ الذي يناسب ظروف المقال، وإلا لاحتجتُ إلى كتاب.

 

الإسلام عقيدة وشريعة، والشريعة عبادات وأخلاق ومعاملات، والمعاملات تشريعات ‏تنظيمية وإدارية وجزائية تشمل كل جوانب الحياة، فالعقيدة والعبادة والأخلاق هي التي يقوم ‏عليها الجانب التربوي في الإسلام الذي من شأنه أن يُوقظ الضميرَ ويُوجِد ملكةَ المراقبة لله ‏ويحقق تقواه.

 

وأما المعاملات التنظيمية فتشمل الجوانب المدنية وأحكام الأسرة وأحكام القضاء، ونظام ‏الحكم وقواعده، وكيفية اختيار رئيس الدولة وشكل الحكومة وعلاقات الأفراد بها وحقوقهم ‏إزاءها، وتنظيم علاقة الدولة الإسلامية بالدول الأخرى في السلمِ والحرب، وتنظيم العلاقات ‏المالية المتعلقة بموارد الدولة ومصارفها، والعلاقة بين الدولة والأفراد.

 

أما المعاملات الجزائية فتتعلق بتحديدِ علاقة الفرد بالدولة من جهةِ الأفعال المنهي عنها ‏‏'الجرائم ومقدار كل عقوبة'، وتتلخص هذه الحقائق كلها في عبارة 'الإسلام دين ودولة'، ‏ولما كان الإسلام دينًا خالدًا فقد اتسمت شريعته‏ بالمرونة والتطور؛ لأنَّ الحياةَ بطبيعتها ‏متطورة، ولذلك فقد جاءت الشريعة بقواعد عامة ومبادئ كلية في جوانبِ الحياة المتغيرة ‏والمتطورة، وسمحت- بل- أمرت العلماء‏ والمجتهدين في استنباطِ الأحكام المناسبة لكل ‏عصرٍ ومكانٍ وملء منطقة العفو التشريعي بما يحتاجه المجتمع من تشريعاتٍ تُحقق العدالة ‏والمصلحة والتيسير ورفع الحرج عن الناس، ومن ثمَّ وجدنا من أصول التشريع بعد القرآن ‏والسنة والإجماع، وجدنا القياس والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع والعرف ‏والاستصحاب... إلخ، وفي هذا المعنى يقول الإمام الشهرستاني: إنَّ النصوصَ تتناهى ‏والوقائع لا تتناهى ولذلك لا بد من اجتهاد المجتهدين.

 

ولما كانت العقول متفاوتة في فهم النصوص، ومختلفة في اعتماد مصادر التشريع وفي ‏ترتيبها، جاءت اجتهادات المجتهدين مختلفة، ومن ثمَّ وُجدت المذاهب الفقهية التي يجمعها ‏على اختلافها احترامها للشريعة وتوخيها مقاصدها، وهذه المذاهب إنما هي اجتهادات بشرية ‏وليست مقدسة يسعنا الاختلاف معها أو الأخذ منها ما يناسب ظروفنا وأحوالنا.

 

وإننا حينما نقول إنَّ الإسلام هو الحل إنما نعني بذلك أنه المرجعية التي ينبغي على ‏المسلمين أن يرجعوا إليها ويستمدوا منها ويجتهدوا فيها‏ شريطةَ أن يستكملوا شروطَ ‏الاجتهاد أو أن يختاروا من بين اجتهادات المجتهدين، وهو ما نفعله، ومن ثمَّ فإننا نقرر أننا ‏لا نحتكر الإسلام ولا فهم الإسلام وأن ما نراه إنما هو اجتهاداتنا البشرية أو اختياراتنا من ‏اجتهاداتِ الفقهاء وهي ليست مقدسة كما أسلفت، وأننا نسعد حينما يفعل غيرنا مثلما فعلنا ‏ولو انتهت اجتهاداتهم واختياراتهم إلى غير ما انتهينا إليه.

 

وأما أولئك الذين يزعمون أنَّ الإسلام دينٌ لا شأنَ له بالدولة فإننا نعرض له حقيقةَ الإسلام ‏وطبيعته من خلال بعض نصوصه في إيجازٍ شديدٍ وأننا حينما نقول إن الإسلام هو الحل ‏إنما نقرر:

الحريات العامة:

1- حرية العقيدة والعبادة ?لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ? 'البقرة: من الآية 256‏'.

2- حرية الرأي والتعبير حتى ليراجع المسلمون النبي- صلى الله عليه‏ وسلم- وهو الموحَى ‏إليه، وذلك في غزوة بدر وأحد والأحزاب، وحتى يقول رجل لعمر: 'اتق الله' فيرد: 'لا ‏خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها'، وحينما تستدرك عليه امرأة وهو على ‏المنبر فيقرّ بخطئه قائلاً: 'أصابت امرأة وأخطأ عمر'.

 

3- إنما نقرر مبدأ الشورى أو الديمقراطية الإسلامية ?وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ? 'الشورى: من ‏الآية 38' ?فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ? 'آل عمران: من الآية 159‏'.

4- إنما نقرر حق الشعب في اختيار حاكمه بمحضِ إرادته الحرة حتى ليختار المسلمون أبا ‏بكر خليفةً لرسول الله قبل أن يُواروه- عليه الصلاة والسلام‏- التراب.

5- إنما نقرر أنَّ هذا الحاكمَ وكيلٌ عن الأمةِ وأنها مصدر السلطات ومن حقها محاسبته ‏‏'أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعةَ لي عليكم'، 'لو رأينا فيك اعوجاجًا ‏لقوَّمناه بسيوفنا'.

6- إنما نقرر المساواة الإنسانية العامة ?يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ ‏شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ '13'? 'الحجرات'، ‏‏'كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي إلا ‏بالتقوى'.

 

7- والمساواة أمام القانون 'إنما أهلك مَن كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ‏وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت ‏يدها'.

8- والمساوة أمام القضاء ?وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ? 'النساء: من الآية ‏‏58‏'.

إنما نقرر حقوق الإنسان في أكملِ صورها وأوسع معانيها:

1- حقه في الحياة ?مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ ‏فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا? 'المائدة: من الآية 32' 'لزوال الدنيا أهون على الله ‏من قتل رجلٍ مسلم'.