الأربعاء 31 ديسمبر 2025 الساعة 06:38 م

مقالات وآراء

جعلوني مجرماً

حجم الخط

بقلم: د. عطالله أبو السبح 

لن أتحدث عن فيلم فريد شوقي الشهير, ولكنني أتحدث عن الإجرام كأسلوب حياة يمارسه البعض تحت مبررات شتى, وقد لا يختلف معي في اعتبار العمالة رأس الإجرام , ولكن ما مبرراتها؟! هل هو الضعف البشري ؟ تظل الإجابة حائرة , فهناك فروق فردية بين البشر , فهناك جبان القلب رغم مظهره الذي يوهمك بشجاعته، خاصة بعد أن تكتشف أنه يجيد فنون القتال الحر من جودو إلى تايكواندو إلى سباحة إلى ملاكمة , وكلها قد اجتمعت على جسد ضخم وعضلات مفتولة , ولكن كيف صار جاسوسا ؟؟ لا أتحدث عن شخصية خيالية ولكنني أتحدث عن ( إسماعيل ) عندما علمت أنه يقود مجموعة من ( العصافير ) أصاب عقلي رعدة , وتمنيت  أنني أسمع هذيان  !!  ولكنها الحقيقة الفاجعة .. عدت إلى الماضي .. ماذا كان ينقصه ؟؟ لا شيء.. لا شيء .. فهو موظف وفي وسط محتوم , وله أسرة وذرية , وابن عائلة , ويعرف الحلال والحرام .. ويعرف الشهامة والنذالة ويعرف المروءة و الوقاحة و يعرف العفة والفاحشة .. فكيف وقع في الحرام وفي النذالة وفي الوقاحة والفاحشة ؟ هل له أن يدعي أنه كان ضعيفا ولم يستطع أن يقاوم،  نعم له في ذلك .. لأن الحلال والشهامة والمروءة والعفة لم تكن مستقرة في وجدانه , هو ساقط في باطنه قبل أن تسقط جوارحه , كان سقوطه نتيجة حتمية لاستسلامه للدنايا والذي كان يخفيه جسده ومهاراته, لم يترب ولم يرب نفسه , ولم يأخذها بالحزم ولم يؤدبها إذا تاهت في مسارب الحياة كدودة خبيثة لا تعيش إلا في المستنقع أو المزابل, فتحكمت فيه فانقاد لها حتى أوصلته إلى ذاك الحضيض، حيث الحرام مأكلا ومشربا وملبسا ومسكنا والنذالة حيث الكذب والغدر والقسوة والتملق والتزلف ولعق الأحذية، وإلى الوقاحة حيث المجاهرة باقتراف كل كبيرة وسوء .. أما يدعي أنهم جعلوني مجرما أي الأصحاب الأهل والخلان فهو محض افتراء وكذب ..

 

أما الجريمة التي لا تقل عن سابقتها  فذاك الذي يلبس لكل مجلس لبوسا, ويتحدث بكل لسان وبعدد لسنته له من الوجوه : طفيلي إذا أقبل , طفيلي إذا أدبر :  أنا و بعدي الطوفان شعاره , يمشي مع التيار أينما مشى , ينحني أمام النسمة، اللص عنده شريف حتى يأخذ منه نصيبه , والشريف لص إذا لم يلب له (شهواته)، تقي ورع في مجلس الأتقياء. فاسق زنديق إذا ما التقى بزنديق .. يشمخ بأنفه أمام متسول ويمرغ أنفه في ( الحما المسنون ) إذا ما تسول , والداهية الدهياء أنه يصل , وتسأل كيف ؟ ليأتي الجواب محيرا , فلا تقتنع , ولست وحدك , كثيرون هم الذين يشاركونك الرأي , ولا ينقصهم إلا الجهر به !! هذا الصنف من (المجرمين) لا تراهم إلا على أعتاب من يظنون أن مصالحهم رهن إشارة من أصابع أقدامهم !! هم آفة على الناس , وسوس ينخر عظام المجتمع , يقطعون الطريق على النابهين , ويضيعون حقوق أصحاب الحقوق , يخربون بيوت الآخرين , ليعمروا بيوتهم .. يتقدمون الفرح حاسدين , والعزاء شامتين !! يفسدون ما أصلح الدهر , ويكفيهم أنهم يصلحون من شأنهم وخاصتهم , لا يعرفون الغائب إلا بكل نقيصة , إلا من خص أولي الأمر , فيتحدثون عنه كما لو كان ( الكمال ) هم جيش الهزيمة والفرار !! إذا ضعف سيدهم أغرقوه وتولوا عنه وهم معرضون , وإذا ما لاح (نجم ) جديد خروا له ساجدين , ليبدؤوا رحلة الخضوع من جديد فهم رجال كل رجل , وبطانة كل زعيم , حتى إن كان شارون أو  صدام  !! فهل لهذا الصنف أن يقول جعلوني مجرما ؟؟ كلا وألف كلا ؛ فهو الذي باع نفسه , وداس كرامته ,و مسخ أدميته, هو الذي رضي لنفسه الهوان فهان , وعرضها رخيصة في سوق العبيد , هاتفا : من يشتري ؟

 

أما أنت يا قارئي فمن المؤكد أنك ستكون حيث أردت أن تكون.