بقلم: د. عطالله أبو السبح
لم يكن عباس مضطراً أن يعلن عن نيته بعدم الترشح لمنصب رئيس السلطة، ولو فاجأ العالم بها عند إجراء الانتخابات لكان أكرم له وأشرف ولأقنع المراقبين أنه لم يكن ليناور، ولقطع ألسنة تشكك في مقصده، وتتهمه إلى درجة الإدانة بعدم الجدية، وان هو إلا ملمح من ملامح (صناعة البطل) التي طالما مارسها الغرب على الشعوب المستضعفة كي يجعل من واحد معين زعيماً تصفق له العامة وتحمله على الأعناق ولا يزيد في الحقيقة عن أداة يمرر من خلالها ما يريد (السادة) من ثروات أو كيانات أو مستقبل هذا الشعب، أو قرارات مصيرية واستراتيجية، وقد شهد العالم في القرن العشرين كثيراً من هذه النماذج التي صنعها الاستعمار على عينه، وأبدى من العداء له (أي للاستعمار) ما ثبت أركان الزعيم في الحكم وأطال عمره واذا ما انتهت مدة رئاسته ( لا زعامته) أخذ يتدلل فيعلن عدم الترشح فتخرج الدهماء من الناس لتطالبه بالاستمرار هاتفة (بالروح بالدم نفديك يا عباس ) ويقود هؤلاء (الدهماء ) بطانة الزعيم، والمنتفعون بوابل خيراته ، وكريم أفضاله، وهو ما رأيناه في المؤتمر الصحفي الرخيص لياسر عبد ربه، حيث أعلن أن عباس هو المرشح الوحيد للفصائل الفلسطينية، وهو الخيار الأوحد ل 'م ت ف'، ولا يمكن السماح له بترك الساحة والقيادة والزعامة، والا ماتت القضية وهام الشعب الفلسطيني بعد عباس، وهذا ما لا يريده ياسر لهذا الشعب، وكأن عباس هو القائل:
وإني وإن كنت الأخير زمانه لآت بما لم تستطعه الأوائل
وبعدها تخرج التظاهرات في رام الله تعلن وتؤكد وتصمم على زعامة عباس ورئاسته، بعد أن شعر الشعب باليتم عندما أوشك أبوه على الذهاب، وأخذت وكالات الأنباء تعلن ذا الإعلان، وتبث ذا التصريح، والكاميرا تلاحق الأفراد الذين يناشدون عباس بالبقاء، والتظاهرات التي تهتف بملء حناجرها أن يبقى الرئيس، ولا استهجان في أن نرى نساء يشققن الجيوب ويخمشن الخدود، ويكفكفن الدمع الهتون على هذا الوحيد زمانه، والذي حزم أمتعته ليذهب.. ثم أمريكا وعلى لسان حيتها الرقطاء تعلن أنها تتطلع للتعاون معه، وزعامات ودول ومؤسسات وأمم متحدة تطالب عباس بأن يظل رحمة بالشعب الفلسطيني واستكمالاً لدوره الذي لا بد أن يكمله، خاصة وقد أعطته فلسطين ثقتها وأصرت عليه أن يبقى، ليقودها إلى حل الدولتين، ويقفز أكثر من سؤال:
1- هل ستطيق فتح أن يرأس السلطة غير فتحاوي؟ ومن سيكون؟ هل هو من الجبهات، أو من الفصائل المقاومة؟ والجواب: لا، ولن يسمح بذلك وإلا لنفذت فتح اتفاقية القاهرة 2005، وأعادت بناء 'م ت ف' على أسس ديموقراطية، ليفتح الباب أمام أعضائها للترشح لأى منصب، ومنها مناصب الرئاسة.
2- هل هو من حماس أو الجهاد حال عدم دخولهم م ت ف؟ الجواب: هذا من رابع المستحيلات حسب القانون الأساسي والدستور، فلا يرأس 'م ت ف' إلا عضو فيها.
3- إذن من يكون؟ إنه من فتح! وعناصر فتح في انقسام، فلقد طار القدومي وهاني الحسن، كما طار محمد جهاد، وهم من أقدم المؤسسين الباقين على قيد الحياة. هل هو أحمد قريع ولا شلة له ولا أنصار، بل سقط في انتخابات فتح، هل هو نبيل عمرو، وشأنه ليس بأحسن من شأن أحمد قريع بل أسوأ، هل هو صائب، وأيضا لن يكون، فرصيده الفتحاوي لن يؤهله، هل هو فتوح، وبالتأكيد لا إذ لو كان في تنظيم يطبق لوائحه لما رآه الناس قط إثر سلسلة من الفضائح ليس تهريب الجوالات أولها ولا آخرها، هل هو محمد دحلان وهو اختيار أمريكي أوروبي إسرائيلي لا فتحاوي فضلاً عن أنه اجتمعت إليه سلطات المال المسيس، لكنه مرفوض لدى الكثير من منتسبي فتح.
هل هو مروان؟ وهذا بعيد لأنه مسجون، إذن هو عباس ولا محيد عن عباس.
