الإثنين 28 سبتمبر 2020 الساعة 05:28 ص

مقالات وآراء

أحداث نهر البارد كيف نقرأها ..وما الحل؟؟

حجم الخط
يمكن أن يتم فصل ما يجري من أحداث في مخيم نهر البارد مؤخرا بين وحدات من الجيش اللبناني وبين ما يسمى بعناصر تنظيم فتح الإسلام  ،التي يشتبه بان لها علاقة أيديولوجية مع تنظيم القاعدة، وبين الحالة الإقليمية والدولية الكلية ، فالولايات المتحدة الأمريكية لها إستراتيجية واضحة تقوم على ضرورة السيطرة على ثروات المنطقة ومقدراتها إلى أقصى درجة .
وهذا يتطلب منها إعادة رسم خريطة المنطقة السياسية والجغرافية على نحو آخر متقدم وأكثر تفتيتا وتشتيتا من الإستراتيجية الاستعمارية التقليدية التي كانت تقوم على سياسة التقسيم القطري والوطني للمنطقة العربية ، انطلقت أمريكا بهذا المشروع منذ بداية العقد الأخير من تسعينيات القرن الماضي ، وكانت البداية مع عاصفة الصحراء في العراق وبعملية السلام في مدريد عام 1991 .
 
 لكن هذا المشروع الأمريكي ،الذي سمي لاحقا وبشكل أكثر وضوحا على انه مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير بعد غزو أفغانستان والعراق ، أصابه التعثر بفعل حالة المقاومة في أكثر من مكان في المنطقة العربية الإسلامية ، في العراق وأفغانستان ولبنان وفلسطين ، بالإضافة إلى الدور البارز لدول مثل إيران وسوريا ، التي رأت أن نجاح المشروع الأمريكي  سيؤدي بالضرورة وبالحتمية إلى الإتيان عليها ، وبالتالي ما سينجم عن ذلك من كارثة على مستوى الأمة بكليتها .
 
بهذا التعثر للمشروع الأمريكي وإستراتيجيته تجاه المنطقة ، فان أمريكا وأداتها المتقدمة في فلسطين باتت على مفترق طرق مفصلي ، فإما أن تتجه الإدارة الأمريكية بقيادة المحافظين الجدد إلى التخلي عن مشروعهم ،وذلك عبر التفاهم مع سوريا وإيران الداعمين الرئيسيين للمقاومة سواء في العراق أو في لبنان أو حتى فلسطين ، يكون مقتضى هذا التفاهم أن تتوقف إيران وسوريا عن دعم المقاومة العراقية سنة وشيعة مقابل أن تعترف أمريكا بدور إيران في العراق وفي المنطقة ، وفي حق إيران بامتلاك وتطوير برنامجها النووي .
 
 وأما بالنسبة لسوريا فيكون المقابل أن ترفع عنها العزلة الدولية المفروضة عليها بواسطة الإرادة الأمريكية ، بالإضافة إلى الدور الأمريكي في الضغط على إسرائيل من اجل الانسحاب من هضبة الجولان، وكذلك تغيير موقفها من سوريا بشأن المحكمة الدولية ، وربما في هذا السياق قد تبدي سوريا موقفا آخر تجاه رموز المقاومة الفلسطينية المتواجدين فيها ، على أن يؤدي كل هذا في نهاية المطاف إلى التهيئة لخروج أمريكا من العراق بوجه مشرف كما يحلو لكثيرين وصفه في هذا السياق .

 

لكن السؤال هل تقبل أمريكا بهكذا تفاهم مع إيران وسوريا ، وهل تقبل إيران وسوريا بأقل من هذه المطالب ؟، كلا .

 

فخروج الولايات المتحدة من العراق، ومن ثم تلبية المطالب الإيرانية والسورية سيكون هو البداية الأساسية لانحسار الوجود الأمريكي في المنطقة ، وبالتالي فشل مشروعها المطور عن الإستراتيجية الاستعمارية التقليدية ، بل إن النهاية والحتف سيلاقيان هذه الأخيرة أيضا .
 
وفي المقابل فان إيران وسوريا وأطراف المقاومة والممانعة لن تسمح بان تعطي التسهيلات والضمانات للمشروع الأمريكي والصهيوني لكي ينجح في المنطقة ، لان نجاحه يعني قتل الطموح الإيراني والسوري ومعه كل حركات التحرر والمقاومة في العراق وأفغانستان ولبنان، وهنا في فلسطين أيضا .

 

لذلك ، فان المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية وفي مقدمتهم ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي ، يرون أن إشعال نار الفتنة الطائفية والمذهبية والاقتتال الداخلي في مناطق غير العراق باتت ضرورية وخاصة في المواقع التي توجد فيها قوى المقاومة سواء في فلسطين أو لبنان ، من اجل التفرغ لمواجهة القوى الرئيسية المناهضة للمشروع الأمريكي ، ولو كان ذلك من باب الخطوة غير مضمونة النتائج ، لأنه في نظرهم التسليم بالأمر الواقع سيؤدي إلى انحسار وبالتالي تلاشي مشروعهم في المنطقة العربية الإسلامية .
 
الغرض من الفتنة في لبنان من خلال ما يجري من اشتباكات بين الجيش اللبناني وظاهرة فتح الإسلام في مخيم نهر البارد ثم لاحقا في مخيم عين الحلوة في الجنوب القصد منه الوصول إلى حالة يتم فيها تحييد قوة حزب الله من خلاله إشغاله ودفعه إلى ساحة الاقتتال الداخلي ، مخطط الفتنة والاقتتال في لبنان خطط  له بدهاء ومكر أمريكيين، وها هو ينفذ بأدوات لبنانية من خلال قوى 14 آذار ، يبدو أن سعد الدين الحريري هو من دعم ابتداء ما يسمى بفتح الإسلام ، وكان ذلك باعتباره ممثلا للسنة ، ثم كان مكره وخديعته بجعل هؤلاء أداة وفاتحة للصراع المذهبي والطائفي في لبنان ، ولذلك يفهم المرء المغزى من قول احد المتحدثين باسم فتح الإسلام إن هناك طرفا ثالثا هو السبب في الذي يجري ، فلا الجيش اللبناني كان معنيا بهكذا مواجهة ولا فتح الإسلام  كذلك ، قوى 14 آذار لم تكن لتجرؤ على فتح مواجهة عسكرية مع حزب الله وحلفائه في لبنان .
 
 ليس بسبب قوة حزب الله العسكرية ، وإنما لسبب بسيط هو أن الرأي العام اللبناني سيدينهم على الفور ، لان مخططهم الأمريكي سيكون واضحا وضوح الشمس ، ولذلك هم يريدون الوصول إلى الفوضى الخلاقة في لبنان عبر زج المخيمات الفلسطينية في الموضوع ، لهذا السبب يصرون على الحسم الأمني والعسكري لظاهرة فتح الإسلام ، ليكون الحسم الأمني والعسكري بوابة العبور ،من خلال الأشلاء والدماء الفلسطينية، نحو حرب أهلية كبرى ستشمل الجميع .

 

للأسف ، إن ما يجري في لبنان واضح انه مخطط أمريكي صهيوني بامتياز ، ومع ذلك لا تتوانى أطراف لبنانية وحتى فلسطينية محسوبة على منظمة التحرير وحركة فتح من دعم الوسيلة التي ستفاقم الوضع وتأزمه عبر الدعوة إلى الحسم الأمني والعسكري لمليشيات فتح الإسلام ، والدليل على تفاقم الأزمة واتساعها أن مخيم عين الحلوة دخل في المعادلة من جديد من خلال اشتراك جند الشام في المعركة .

 

الحل السياسي بات مطلوبا وضروريا لتفويت الفرصة على أصحاب مشروع الفتنه ،وبغض النظر إن كانت فتح الإسلام أو غيرها ظاهرة مصطنعة أو حقيقية ، ومع أني لا استبعد كونها حقيقية ، في ظل حالة الإحباط  والانهيار الذي تحياه المنطقة ، وكذلك ما تتصف به الحالة اللبنانية من فراغ سياسي وامني ، فان الحل السياسي يقتضي أن يتم التحاور والتفاهم مع هذه الظاهرة من قبل المعنيين بتأثيراتها أولا وهم الفلسطينيون ومن ثم الأطراف اللبنانية الأخرى ، على أن توضع ظاهرة فتح الإسلام في صورة المرحلة والمخططات التي تحاك ضد لبنان ، ومن ثم واستنادا إلى ذلك ودرءا للمفسدة الكبرى لابد من تخييرهم بين خيارات بعينها :
 
-   إما أن يسلم هؤلاء أنفسهم وسلاحهم للجيش اللبناني ، مع التعهد لهم من جميع الأطراف اللبنانية وحتى الفلسطينية بتوفير محاكمة نزيهة وعادلة لهم ، وهذا ما استبعده لان فتح الإسلام سترفضه .
 
-         وإما أن يقوم هؤلاء بتسليم سلاحهم فقط دون أن تكون عليهم أية ملاحقة قضائية وبضمانة جميع الأطراف.
 

-   وإما أن يحزم الفلسطينيون أمرهم في المخيمات ، ويطلبوا منهم مغادرة مخيمات اللجوء الفلسطينية ، ومن ثم ليذهبوا إلى أماكن أخرى ويلاقوا مصير مواجهتهم للجيش اللبناني .

 

في كل الأحوال ، المسألة بحاجة إلى تفهم من جميع الشرفاء والوطنيين في لبنان وعلى رأسهم الجيش اللبناني ، بأنه لابد من حل سياسي يدرأ نار الفتنة التي تريدها أمركا وإسرائيل في لبنان ، ولا يفهم المرء الموقف الأمريكي  من مد جسر جوي لدعم الجيش اللبناني إلا من هذا المنظور ، مطلوب جدا من الجيش اللبناني دور وطني فريد في هذه المرحلة ، حتى وان تعلق الأمر  بتفاهم مع فتح الإسلام بذهاب كل فريق إلى حال سبيله دون مواجهة أو اقتتال .