الإثنين 28 سبتمبر 2020 الساعة 05:07 ص

مقالات وآراء

حقا أن صواريخ القسام بدون فائدة؟

حجم الخط

 

في الخارطة السياسية العربية يمكن تمييز منطقين منطق المقاومة ومنطق الهزيمة هذا ينطبق على العراق كما فلسطين كما لبنان، يسعى منطق الهزيمة لاضفاء العبثية واللا جدوى على أي فعل مقاوم، فالمقاومة عمل غير عقلاني، يقوم به اناس متحمسون لا يجيدون السياسة ولا يحسبون العواقب، وهو عمل خاسر يعود بالضرر على المجتمع، بل ربما يؤدي للكوارث.

 

لنأخذ مثلا الحالة الفلسطينية، فبرنامج حركة حماس الذي لا يعترف باسرائيل (وفق منطق االهزيمة) تسبب في تجويع الشعب الفلسطيني وقطع المساعدات عنه، ولفترة طويلة مللنا ونحن نشاهد عباقرة أوسلو وهم يخرجون علينا كل يوم، مرة في ثوب الناصح الأمين، وأخرى في ثوب الخبير المجرب، والسياسي المحنك، والعقلاني المتزن، ليقنعوننا أن انتخاب الشعب الفلسطيني لحماس كان خطأ يتوجب تصحيحه، وان بقاء حماس في السلطة يدفع نحو الكارثة.
 
اليوم تبين ان ذلك غير صحيح، فحماس لم تختف ومع ذلك ينكسر الحصار كل يوم، والكارثة لم تقع، بالأمس القريب خرج السيد محمود عباس في لقاء مع العربية يقول بتأفف ظاهر 'صواريخ القسام تلك التي تشبه الألعاب الملونة' (يقصد الألعاب النارية وقد خانه التعبير)، 'لقد كان رأيي منذ زمن طويل أنها عديمة الجدوى لكنها مؤذية لنا'، 'كلما جاء وفد دولي يقول لنا أوقفوا أولا اطلاق الصواريخ..
لذلك يجب انهاء تلك الصواريخ ثم نأتي لاسرائيل ونقول: تعالوا لنتفاوض'. ما يحيرني هي الثقة التي ما زال يتحدث بها السيد محمود عباس رغم ان نهجه السياسي لم يحرز سوى الفشل، وكأن الناس يتمتعون بذاكرة مثقوبة فلا يتساءل أحد قائلا: ماذا استطعت فعله ياسيد عباس خلال الفترة الماضية بمنطق التوسل والتسول هذا؟ كم سجينا فلسطينيا أخرجت؟ وماذا أرجعت من الأرض الفلسطينية؟ فاذا كانت المحصلة صفرا فأرجو ان لا تتحدث بتلك الثقة بالنفس. لنعد الى موضوع صواريخ القسام  يقول الصحفي حجاي هوبرمان في صحيفة 'هتسوفيه': 'خطر الصواريخ هو معنوي أساسا. إنه يشوش كل نمط الحياة.
 
والمشكلة في إطلاق الصواريخ في حرب الخليج لم تكن حجم المصابين، بل كانت المشكلة في القوافل الطويلة من مئات السيارات التي كانت تهرب كل ليلة من غوش دان. خطر الصواريخ الفلسطينية التي تصوب نحو المراكز السكانية لا يكمن في الأضرار أو الخسائر التي تنجم.
 
الخطر هو في تصدع الحصانة النفسية للجمهور الذي يخشى من هذه الصواريخ. الخطر هو بعودة القوافل التي تهرب من منطقة هشارون كل ليلة إلى أماكن لجوء بعيدة'.

 

أصبح معلوما الآن أن قسما كبيرا من سكان سديروت قد انتقلوا الى مناطق أخرى (مؤقتا على الأقل) تماما كما حدث خلال الحرب في لبنان، وليس ذلك سوى بتأثير تلك (الألعاب النارية) اذن فهي ليست عديمة الجدوى مثل سياسة أوسلو بل هي أداة ضغط فعال لإبقاء الصراع مفتوحا وليشعر المجتمع الصهيوني انه لن يرتاح فوق آلام وعذابات شعب مشرد ومحاصر ومسلوب الحقوق.

 

توازن القوى الجديد الذي أنتجته حرب لبنان يعود ليعدل من طبيعة ومستوى الرد الاسرائيلي، قبل حرب لبنان كانت اسرائيل ترد بقسوة مضاعفة، الآن بدأت تحسب أكثر، ماذا سينتج عن ردها على صعيد التوتر العام في المنطقة. أيضا الولايات المتحدة الغارقة في العراق والتي امتحنت قدرة الجيش الاسرائيلي في لبنان لم تعد تريد من اسرائيل المزيد من التصعيد.
 
 المنطق يقول: اذا كنتم عاجزين كما انكشف الأمر في الجنوب اللبناني فالأفضل الا تورطوا أنفسكم وأصدقاءكم بتوسيع المواجهة وتصعيدها، هذا السقف الجديد للرد الاسرائيلي  يعني من الجانب الفلسطيني ضرورة مواصلة الضغط على اسرائيل وليس استجداءها.

 

لنتذكر أن عملية حزب الله التي أسفرت عن خطف الجنود الاسرائيليين ومن ثم حرب لبنان الأخيرة جاءت بعد ان وصل العدوان الاسرائيلي على غزة ذروته، في الحقيقة في جانب من تلك العملية الشجاعة لحزب الله كانت هنالك رغبة في فك الحصار عن الفلسطينيين والانتصار لهم، هذا بالطبع تم طمسه جيدا من قبل الاعلام اللبناني والعربي الذي اعتاد على مناوأة حزب الله العداء وعدم الاعتراف له بالجميل.

 

لابد ان الاسرائيليين فهموا الدرس، حينما يصعدون ضد الفلسطينيين في غزة يغامرون بتفجر الأوضاع في الضفة الغربية وداخل فلسطين 48 أولا، وبالأوضاع المحيطة بفلسطين ثانيا، المنطقة في الواقع أشبه ببرميل من البارود، لذا عليهم ان يتواضعوا أكثر في حجم ردهم على صواريخ القسام.

 

نحن أيضا فهمنا الدرس، لا يوجد ما يقنع الاسرائيليين بالتراجع سوى المقاومة، والاصرار على المقاومة، واستمرار المقاومة، تحت جميع الأحوال وان بأشكال مختلفة.

 

بعد سيدروت هنالك عسقلان، وبعد عسقلان ربما تنتقل الصواريخ للضفة الغربية، فليستعد مستوطنو الضفة الغربية لما يستقبله اليوم المستوطنون في سيدروت.
 

في لبنان يتأمن اليوم بقاء ستاتيكو القوى المتصارعة نتيجة مجموعة عوامل منها الهدوء على جبهة المواجهة مع اسرائيل، لكن ذلك الهدوء مخادع بمقدار افتقاده لعوامل الحل النهائي المرتبط بمجمل الصراع العربي – الصهيوني، وثمة تحفز من قبل قوى المقاومة اللبنانية لاستعادة المبادرة، وربما يتمنى البعض أن ترتكب الدولة العبرية حماقة ما لتعيد تمركز السياسة في لبنان حول الصراع العربي- الصهيوني.

 

المفارقة أن السياسة الاسرائيلية تصل الى ذروة عنادها وفشلها في تقديم أي افق للمسألة الفلسطينية في الوقت ذاته الذي تنحدر فيه الى أدنى مستوى قوة الردع الاسرائيلية وهيبة المؤسسة العسكرية بعد حرب تموز.
 
مثل تلك المفارقة لا تعني في العمق سوى أننا قادمون على مرحلة تصعيد للصراع، تصعيد سوف نحتاج فيه لكل قوى المقاومة التي تمتلكها الأمة اليوم وفي مقدمتها مثلث المقاومة العراقية – الفلسطينية – اللبنانية، ونحن معنيون بتقوية ذلك المثلث وحمايته، اما التخلي عنه أو التنكر له فهو يعادل سلب الأمة سلاحها الوحيد في خضم صراع الحياة أو الموت.