الإثنين 28 سبتمبر 2020 الساعة 05:35 ص

مقالات وآراء

لتكف أيدي الأطراف الأجنبية عن تنظيم حركة فتح

حجم الخط

 

تتزايد محاولات التدخل الأجنبية في استحقاق التطور لدي حركة فتح وقد بلغ ببعضهم ان واظب على لقاءات واجتماعات تناولت الوضع التنظيمي للحركة ولم تقتصر على المستويات الحركية العليا وإنما تخطت ذلك الى المستويات الوسطية والقاعدية بل والى  مسويات هامشية في واقع الفعالية التنظيمية.

 

 

ويستدعى هذا الامر وضع النقاط على الحروف لكي لا تبقى الامور في الظلام، وفي ضباب الاحداث، ولكي لا تمر عملية انقلاب تطورية المظهر ، ضد فكرة جسدت اعظم نتاج لمعاناة شعب ومتطلبات قضية.

 

ما من شك ان ثمة حاجة ملحة لاستحقاق التطور لدى حركة فتح، وان هذه الحاجة قد تزايدت بشكل نوعي ومتفاقم منذ الدخول الى الوطن ، ولكن هناك فارق بين اجراء التطور وبين تحقيق انهيار الفكرة وانقلاب دورها، وكذلك بين اطار التطور عبر النظام والاصول والعبث الذي يجري بأيد ذاتية او أيد اجنبية.

 

 

أصبح التدخل الاجنبي في شؤون الوضع التنظيمي للحركة يتم على أيدي أطراف عدة سواء من قبل الولايات المتحدة او اطراف اوروبية بمسميات مختلفة، وسواء على مستوى الرسميين او غير الرسميين، وكان البناء التنظيمي هو مسألة فنية او يمكن ان يتم بروح ورياح مستوردة، وبمثل الطرق .

 

 

لقد بلغ الامر في المراحل السابق حد التدخل بالاسماء وحتى في نطاق الانتخابات التشريعية ومن يكون على القائمة ومن لا يكون وحتى الاسماء في تشكيلات اللجان والاطر ذات الطابع التنظيمي الصرف.

 

عندما نهضت فتح فقد نهضت بالفكرة والاداء، وقد بدأت فعالياتها واعداد كادرها واجتماعاتها عبر الخيمة او قواعد الفدائيين او البيوت المتواضعة وباحات المدارس واللقاءات السرية، وتطورت وتراكمت عبر كل ذلك وصنعت تقدمها والكثير من اسس مسيرتها.

 

 

ثمة فارق كبير بين فعالية تبدأ في الخيمة بدون ارشاد اجنبي غير مؤتمن، وبين فعالية تبدأ في قاعة فندقية خالية من روح البداية والتصميم على التضحيات والفارق هو بين روحية الأخذ وروحية العطاء.! بدأت فتح بروحية العطاء، عطاء المال والجد، والدم والمخاطرة بالغالي والنفيس ، وبذلك صنعت الثورة وانتقلت بها من العدم الى الوجود ومن الصغر إلى الكبر ومن الضعف إلى القوة، وهو الأمر العاكس تماماً للمنهجية التي تفكر بها بعض الدوائر الاجنبية والاستجابات لها ، انها منهجية لا تنطلق من روح الشعب الفلسطيني ولا تصنع حرية ولا تنظيماً ولا تؤدي الى تحقيق اهداف سوى اهداف التخريب في مختلف المحاور واهداف المكسب الصغير .

 

 

كل تنظيم سياسي او حركة تعرض لمنعطف مفصلي تواجه استحقاق التطور والتغيير، وقد تعرضت فتح لمثل هذا المنعطف الذي يحتم عليها الاستجابة لاستحقاق التطور، والقانون في مثل هذه الحالة ان تنشأ عدة اتجاهات.

 

الاتجاه الاول: هو اتجاه التمسك بالقديم والمحافظة عليه، وهو منهج الجمود العقائدي والسياسي والتنظيمي والذي ينجم عنه ضرب الفكرة واخفاقها وتخلفها عن الصلاحية المستقبلية.

 

الاتجاه الثاني: وهو اتجاه التغيير الشامل والاستجابة الكاملة لدفع وضغط العوامل الموضوعية والخارجية وهو اتجاه الانهيار الشامل.

 

 

أما الاتجاه الصحيح فهو اتجاه التوازن الدقيق بين ما يستحق الثبات وما يستحق التغيير، ومن القانون ان جوهر الفكرة هو ما يتطلب الحد الكافي من الثبات ، أما التغيير فقد ينال نصيباً أوفر في مجال الأساليب والآليات والمراحل.

 

 

ولدى التعامل مع استحقاق التطور لا بد من ميزان دقيق بين الاحتياجات الوطنية الأساسية أي جوهر الفكرة والمشروع الوطني وبين المتطلبات الموضوعية الناجمة عن العوامل غير الذاتية، وهذا الميزان يجب ان يؤدي الى حماية الفكرة وجوهرها والى استمرار المسيرة لتحقيق الأهداف الأساسية.

 

 

ثمة فارق كبير بين قبول التدخلات وبين الانفتاح الايجابي، لقد تجسد جوهر الفكرة الاستقطابية لدى فتح في ثلاثة أركان.

 

 الاول: وهو الوطنية الفلسطينية حيث انبرت فتح منذ الخمسينات لاسترداد التجسيد السياسي للوطنية الفلسطينية، وتمكنت في المراحل التالية ان تؤسس للشعب الفلسطيني اول قوات وبنادق فلسطينية بعد النكبة لا تخضع لا لنظام عربي، وهو الامر الذي وضع الأساس للقرار الوطني المستقل والكينونة الفلسطينية التي هي نقيض للكينيونة الاحتلالية.

 

 والثاني: وهو أولوية قضية فلسطين في البرامج العملية واولوية العمل المباشر على محورها.

 

وهنا برز الأمر الثالث في جوهر الفكرة الاستقطابية وهو طريق الكفاح المسلح والمقاومة المشروعة.

 

هذه الاركان الثلاثة هي اركان الفكرة لدى فتح وهي الأركان التي شكلت استجابة وتلبية للاحتياج الموضوعي الأساسي لواقع الشعب الفلسطيني وحالته، ولحاجة الوطنية الفلسطينية لتجسيد سياسي، وحاجة قضية فلسطين لطليعة تترجم أولوياتها عملياً.

 

 

وما من شك أن المسيرة  قد صادفت تحديات وميادين صراع متتالية ومتعددة الأطراف والاتجاهات طيلة اربعة عقود، كما صادف الواقع المحيط متغيرات كبرى لا يمكن التغاضي عنها وتجاوزها ولكن ذلك بما لا يقوض جوهر الاركان الثلاثة.

 

 

لقد استجابت فتح واقعياً لكثير من متطلبات التطور ومن ذلك على سبيل المثال منهجية المراحل وفكرة الطريقين او الأسلوبين معاً، الطريق السياسي والمقاومة المشروعة في نطاق من التلازم او التتالي او التناوب بما يحقق الجدوى والوصول للاهداف، وحتى اعطاء الاولوية للطريق السياسي اذا كان مؤدياً وعلى اساس ان لا يكون طريقاً مغلقاً لا يؤدي الى الاهداف.

 

 

لكن منهجية القوى الخارجية تتجاوز كل ذلك ، وقد بدأ فهمها من جديد وكذلك خياراتها الدخول في حدود التجاوز الفعلي للوطنية الفلسطينية والاستقلال الفلسطيني وكأن التاريخ يعيد نفسه لما بعد عام 1948 وفي حدود التجاوز المراوغ لقيام دولة فلسطينية مستقلة، وانهاء أي مفهوم لحق المقاومة المشروعة للاحتلال.

 

من اجل ذلك من الطبيعي ان تتطلع الكثير من الدوائر الاجنبية لتغيير بنيوي في حركة فتح ، وقد عبرت عنه اوساط عديدة في الولايات المتحدة ابتداء من الرئيس جورج بوش الذي تحدث عن الجيل القديم والجيل الجديد، ووصولاً الى كثير من الزائرين والمندوبين سواء الرسميين او الغير الرسميين من ذوي الجنسية الاميركية.

 

 

والحقيقة ان معنى الجيل القديم والجيل الجديد هنا لا ينصرف الى العمر وانما تكمن حقيقة معناه في المفاهيم ، حيث لم تعد مفاهيم مثل التحرر الوطني والاستقلال والمقاومة مقبولة وتعتبر من مفاهيم مرحلة الحرب الباردة ومخلفاتها، ويجب ان تحل محلها المفاهيم المرتبطة بالعولمة باحادية القطبية للولايات المتحدة.

 

 

في خضم ذلك تتعرض قضية فلسطين للاندثار بين اقدام الفيلة، ويتم تغيير الاداة التي لديها امكانية التوصل الى نتائج في اطار المشروع الوطني الفلسطيني وهي حركة فتح وتنظيميها وبنيتها الوطنية وروح ثوابتها.

 

لا يوجد ادنى شك ان روح الثوابت لدى فتح والبنية التي تعبر عن هذه الروح، هي المستهدف بغض النظر عن الاعمار والمواقع، وان ذلك يتم بالارتباط مع هدف واحد هو ترويض السقف السياسي الفلسطيني.

 

 

تتمتع فتح بمزايا اساسية منها مقدرتها على الجمع بين عاملين اساسيين الاول وهو الاحتياج الموضوعي الوطني، والذي يتمثل في الثوابت الاساسية، والثاني وهو متطلبات التجاوب الدولي.

 

 

ان خط التوازن الدقيق بين هذين العاملين هو الخط الذي تحاول فتح ان تستمر في السير عليه، وذلك احد عناصر قوتها، واحد دواعي استهدافها من قبل أي طرف لا يريد للمسيرة الفلسطينية ان تصل الى حد ادنى من الاهداف يتحقق فيها الاستقلال الحقيقي في اطار دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس تتمتع بالمقومات الاساسية.

 

 

ويوضح ذلك لماذا البنية الوطنية الفتحاوية التي تتمتع بروح فتح الحقيقية والنضالية هي العدو الأول لكل الأطراف التي تريد للمشروع الوطني الفلسطيني الإخفاق.

 

 

لا يمكن لتنظيم يتجاوز الاحتياجات الموضوعية الوطنية الأساسية، ولا يقدم منهجية تلبيتها عملياً ونظرياً ان يكون تنظيماً أصيلا او ان يمتلك قدرة البقاء المستقبلي.

 

ان التنظيم الهجين او المصنع بروحية غير روحية الدوافع الذاتية الوطنية او الاحتياجات الوطنية هو حالة عابرة في حياة الشعوب، وهذا الامر يلقي علامة استفهام عن مدى ادراكه من قبل الأطراف الأجنبية التي عندما تتدخل فانها تتدخل في حالتين، الاولى محاولة افراغ فتح من روحها ومحتواها وتغيير طبيعتها وطابعها وبنيتها الوطنية، والثانية محاولة اضعافها وعزلها وجعلها في موقع المتهم والقاء الشبهات على ملامحها وترويج التشويه من حولها وتغذية الشوائب في مسيرتها،  ان الكثير من هذه الاطراف يعلم ان ما يظهر في بعض الاوساط الاعلامية من حرص على فتح او دعم لها انما يصب في خانة اتهام فتح واضعافها شعبياً وان القصد الحقيقي منه هو تدمير روح فتح والقاء التعقيدات في طريقها.

 

 

تجسد فتح احتياجاًُ موضوعياً وطنياً لانها استجابة للحاجة الموضوعية الوطنية، وفكرتها ستبقى هي الرد الذاتي للحاجة الموضوعية الاساسية بالنسبة للشعب الفلسطيني وهي حالة الوجود والكينونة ، لذلك ستبقى هي التنظيم  الذي يمتلك اساس البقاء والاستمرار والصلاحية المستقبلية ، واذا تمكنت ايدي العبث الخارجي عن طريق بعض الاستجابات لها النيل من الاداة فان الفكرة ستجدد ستنجب اداتها باستمرار وعلى هذه الاطراف الخارجية ان تدرك ان المصير الوحيد للتهجين التنظيمي والسياسي هو الاخفاق.

 

اما على المستوى الذاتي لفتح فان من واجبنا ان ننهج وبدون تأخير الخطوط التالية.

 

 

اولا: عدم تمكين الاطراف الخارجية من تغيير ملامح روح الفكرة والبنية الوطنية الفتحاوية خاصة وان هذه البنية تمثل النقل الاساسي في المسيرة الفلسطينية.

 

 

ثانيا: تحقيق استحقاق التطور في الفكرة الاستقطابية واركانها الثلاثة على اساس خط التوازن الدقيق بين ما يستحق الثبات وما يستحق التغيير ضمن نصوص تقرها الاطر ذات الصلاحية وفقاً للنظام، وبما يحقق استمرارية الاستجابة للثوابت الوطنية والاحتياجات الوطنية الاساسية المتعلقة بوجود الشعب الفلسطيني وكينونته وحقوقه المشروعة.

 

 

ثالثاً: تلبية متطلبات استحقاق التطور في الاتجاه البرامجي  لان حركة فتح وضعت برامجها في الماضي على اساس هدف التحرر الوطني، وهي ما زالت في اطار هذا الهدف، ولكن اضيف الى ذلك استحقاق اساس اخر وهو ادارة المجتمع والدولة والسلطة والبرامج المجتمعية.

 

 

رابعاً: تلبية استحقاق التطور التنظيمي سواء بتطوير النظام الاساسي او تجديد القيادة والاطر والشرعيات على اساس البرامج المقرة اصولاً او بالتطور البنيوي النوعي أي بالارتقاء النوعي بالبنية  التنظيمية.

 

خامساً: تحديد استراتيجية العمل الاساسية ضمن الظروف الجديدة واحتمالاتها بما في ذلك حقيقة الافاق السياسية المغلقة التي نواجهها ولعدة اعوام قادمة.

 

 

وبالنسبة للكادر التنظيمي فان علينا جميعا ان نبقى قابضين على جمر الفكرة وان لا يتم التهاون حيال المحاولات الاجنبية او الاستجابة لها والوقوع في مصيدة المال السياسي والمالي الموجه.

 

عندما انبرينا لمهمة الثورة والكفاح فقد كان رائدنا ان نكون صناعاً للتاريخ لا صنائع للاجنبي