الأربعاء 31 ديسمبر 2025 الساعة 08:21 م

مقالات وآراء

السيد الرئيس أعانك الله (54)

حجم الخط
أرجو التكرم بالعلم أني أخاطب فيك (حماس) ،،،
د. عطالله أبو السبح
   
   

طاحون الشياطين يدور، يطحن الأعصاب والأرواح، يقف دحلان متهكماً بما يستدعي ألف (إلى متى؟) وناعتاً برنامجك (أنه يصلح برنامجاً انتخابياً لكتلة طلابية جامعية، لا برنامج حكومة)، هو العضو في المجلس التشريعي، الذي فزت وأصحابك بأغلب مقاعده!! ويذهب الناطق باسم كتلة فتح إلى أبعد مما ذهب إليه، فينعت حركتك بالعصابة، داعياً إلى الثورة ضدها، ثم تتوعد كتائب الأقصى بتصفية صحبك، معلناً عن برنامج وخطوات قيد التنفيذ من تحطيم مقرات حكومتك ومؤسساتها بدعوى أن الكتائب هي حامية حمى الديمقراطية الفلسطينية، وأخيراً يلعلع سلطان أبو العينين، وما أدراك من هو؟!! فقد تتبع سجلك الأمني فوصل إلى أنه يصل إلى التخابر  مع الموساد هناك.... في كردستان العراق!! وتوعدك ذلك القائد (جداً) بالمصير الأسود!! الطاحون تدور.. وتدور.. تدمر الأعصاب وأحلام الهزيع الأخير من الليل في أن يفيق الناس على أمن وهدوء، وقد ذهب الخوف من ثكل جديد، أو يُتم جديد، أو حرق مؤسسة جديدة، أو قطع طريق... الرعب في عيون قد سكن واستقر، تتمزق أوتار قلوبهم على قتل أطفال بعلوشة الأربعة، والإدانة جاهزة، إنه أنت، ولا سبيل – لديهم- لبراءتك، والحال يقضى بأنك بريء، وحبذا لو أمر عباس بالتحقق، ولكنها دورة لذلك الطاحون الشيطاني اللعين!! كيف لم تنفجر أعصابك عندما أعلن الناطق عن تورطك؟!! وطاحون الشياطين يدور، فرأتك إثر عودتك من جولتك اليتيمة على معبر رفح... كانت ليلة شديدة البرودة، شديدة الألم، مشحونة بكل سبب من أسباب التوتر الذي عرفته الدنيا، وكنتُ رفيقك، وقد رآنا الكون نجلس على الرصيف لساعات، والصخب من حولنا، وليس هناك من ينجز وعده، وأصوات الرصاص تمزق كل شيء، وضجيج، وأموال ائتمنك مخلصو الأمة لتوصلها إلى مستحقيها يتحفظ عليها ولاة أمورهم.

انقضت الساعات الخمس وقد اشتعل الجو برودة، واشتعل قلبك رفضاً واستهجاناً واستنكاراً، سمعك صخر الطريق وأنت تقول للضابط: رئيس وزراء فلسطين يجلس هذه الجلسة؟!!

وكان الضابط محرجاً شديد الخجل، ولكنه (التدبير)... جاءتك امرأة باكية تتكلم العربية بلكنة روسية، هي من بنات دينك، أولادها الثلاثة، كبيرهم دون الثالثة، تحولوا إلى ارتعاشات ودموع.. تستصرخك أن تأخذها إلى بيتها في رفح... بكاؤها حزين، ويحمل كل هموم الدنيا، لثلاثة أشهر في قهر وانتظار المعبر مغلق، وهي وأولادها عالقون، برد، خوف، جوع، شوق.. هو حال العالقين.. تمضي عليهم الأقمار والظلمات والبرد والحر ورياح الجنوب ورياح الخماسين، والانتظار يجعل من سكونهم وآمالهم شظايا، ولا يسعهم إلا البكاء.. الذي تجمد ملحه في عيونهم، كما تجمدت أملاح عرقهم على فوهات مسام جلودهم، فاختنقت جلودهم، يأكلون أيامهم ويمضغون الصبار مع الصبر... ورقَّ قلبك لها.. لكن هل يسمح الحراس؟؟!! يذهب اثنان من صحبك يحملان المال الذي جمعته بماء وجهك إلى بعيد.. بعيد.. ولست أدري إن كان هناك أمل للمعوزين فيها.. لست أدري أتدخل المعبر... يحيط بك المحبون إحاطة السوار بالمعصم... لا بل (الجند بالعلم) على رأي شوقي... ومن خلال دوامة الرجال ترى كل شيء قد تحطم.. زجاج المعبر.. أبوابه.. أجهزته.. كما تحطمت السعادة في وجوه الشرطة.

ورغم ذلك هي العودة بعد أن كدت تستيئس منها.. وفجأة أمطرت جوانب المكان بالرصاص.. لا تسمع إلا أصوات الرصاص.. ينطلق من الجهة الغربية.. لا بل الشمالية.. لا هي الجنوبية.. تتعالى الأصوات.. وغابات من الرماح هي أيدي الرجال ترتفع لتذود عنك الموت.. يطير أصبع مستشارك السياسي أحمد يوسف، وتمزق رصاصة خد ولدك عبد السلام.. تضمك أجساد الرجال، وترفرف حولك أرواحهم.. رصاص في كل مكان، ورصاص من كل مكان.. يتقدم نحوي شاب.. يأمرني بالجري في اتجاه الرصاص الذي يريدك ولا يريد سواك.. يعلمني الشاب كيف آخذ ساتراً، وأنا على يقين أن الرصاص يعلن عن الابتهاج بوصولك سالماً.. ملأني هذا الشعور واليقين بفرحة يشوبها عتب (حبذا لو وفروا الرصاص) ولم أك أدري أنه رصاص قاتل.. حقود.. ينطلق من فوهة بركان المؤامرة عليك، ما كنت – بعد- قد شممت رائحة فرق الموت العفنة، حتى أقلتني سيارة.. نهبت الأرض تحاول اللحاق بسيارتك، وصلت بيتي ولم أكن قد رأيت النوايا، وأخذت أراجع المشهد من جديد.. وقرأت الشريط.. استشهاد أحد مرافقيك (البطل عبد الرحمن نصار) ودبر الخبث بعبد السلام أمراً وسبقت مشيئة الله فلطف.. جرح في خده.. ظل شاهداً على نواياهم ، وطاشت الرصاصات.. ولم ينل المدبرون خيراً، بل خرجوا بعارها وشنارها، وتشير بالسبابة (إن وراء ذلك دحلان) وتعلن أن لديك أكثر من شاهد، وأكثر من دليل، لينطلق لسانه من لجامه، فيقول لتلفزيون فلسطين، وعبر الهاتف (إن هذا شرف لا أدعيه!!) بكل هذا الصلف وهذه الوقاحة والإجرام، فمحاولة قتلك عند -دحلان- شرف وأبى أن يصف اتهامك له بالباطل والساذج، بل كذب ونصب وتلفيق وتهم وادعاء، فهي عادتك وعادة حركتك، ويضيف: (إن ما حدث لك لم يكن محاولة اغتيال) مبرراً بأنك لست مطلوباً له ولا لإسرائيل، ولو سرت وحدك في الشارع لما تعرض لك أحد... كلمات لا تحتاج إلى تعقيب ولا تذنيب ولا تذييل إلا بسؤال واحد: تستطيع أن تدعي أن هنية ليس مطلوباً لك، وكيف تجزم بأنه ليس مطلوباً لإسرائيل؟ أتعلم سرهم ونجواهم؟ وكيف تأتى لك ذلك؟ قد يكون السؤال بريئاً أو غير بريء، ولكن العذر في طرحه أن كلمات دحلان قد فرضته، وبذلك فلا مجال لتصنيفه أبريء هو أم غير بريء؟ ثم لم يتأخر الرد على العقاب المظنون لدحلان.. فقد توعدت كتائب الأقصى بقتلك والزهار وصيام إن عوقب دحلان على فعلته بالقتل.. ما أبشع دوران تلك الطاحون !! وما أبشع الصبر على أفاعيلها!!...

أتوقف، لأستأنف الحديث في الغد إن عشت (أنا) لغدِ بمشيئة الله،،،