بقلم: د. عطالله أبو السبح
نعم ...هو تباين كبير بين برنامجك وبرنامج ( عباس ) ... وبين يدي فوزك حذر نجم فتح - محمد دحلان - من هذا الفوز ، وصرخ في خطاب تحذيري لا يخلو من الهستريا السياسية متهماً إياك بتقديم تنازلات من أجل مصالحك ، رغم أنه الأعلى صوتاً في دعوتك للمشاركة السياسية ، أما وقد قبلت ، إذن ، فاخرج منها لأنك غير وفي لمبادئك وثوابتك، وها أنت تقدم تنازلات، لكن ما هي هذه التنازلات؟ قد يفصح عنها دحلان في المستقبل، ولم يدرك أن العالم، كل العالم كان يحرص على دخولك، ليس حباً فيك، ولكن كسراً لشوكتك، وإطفاء لجذوة مقاومتك، وأن تكون شاهد زور على السقوط الأخلاقي والوطني الذي يتمثل في التوقيع على اتفاقية سلام، صاغها دهاقنة الموساد والشاباك وأمان اليهودية ، وما الفلسطيني إلا (أطرش في زفة) هذا السلام اللعين، وهذا كله حال دخولك الضعيف المنشود والمحسوم جداً (حسب استطلاعات الرأي) وليس لك إلا أن تقول: لا على الملأ، حتى وإن كانت مدوية ، فأنت الأقلية، والأقلية تابعة، لا تأثير لها في القرار، ولا تستطيع أن تفرض رأيها وإن استطاعت أن تؤكده، كما أنها تستطيع أن تتحفظ على رأي الأغلبية أو ترفضه، ولكنه نافذ لا محالة، هي لعبة ( الأستغماية ) يا أبا العبد، التي أرادوك أن تدخلها معصوب العينين، لا تعرف من أين تأتيك الصفعات، ولا من سميع إلى ألمك أو تحذيرك، ولكن شعبك خيـَّب فألهم ، ودخلت قوياً !! معك شوكتك ، وحولك جندك وأنصارك، الأمر الذي حرك السهام المسمومة من كوامنها ، وكان صوت دحلان صدى لأصوات السراديب ، فردد محذراً حركته من فوزك ( ليس في وسعنا الحديث عن ذلك لأنه ليس لنا مكان في هذا البلد ) ولم يسأله أحد منهم : لماذا ؟! أليست مكاتبك كانت مفتوحة ( كما تدعي )؟ و أليست زنازينك كانت – على الكثير منهم – مغلقة ؟ وأليسوا من أبناء هذا الوطن ؟ ويحملون همه ؟ ومن باب إنعاش الذاكرة ، تذكر أنه اليوم الأول لفوزك أعلن كبير المفاوضين صائب : ليس في نية فتح المشاركة في أي حكومة تشكلها حماس ، وهنا ، لك أن تسأل ، وأين التغنـِّي بالوحدة الوطنية ، ووحدانية تمثيل الشعب الفلسطيني ، والحديث باسمه ؟ ، صواعق أو قذائف من لهب !! ثم يقولون : إن حماس هي من أوجدت ورعت وأشعلت الإنفلات الأمني ؟! أليس الحرب أولها كلام ؟ هي هي الدوافع التي أوغرت صدر ابن سلول فقد كانوا - قبيل الهجرة – يجدلون له تاج الملك ، وفي اللحظة التي طلع فيها البدر على المدينة خسر المنصب ، وكذا هنا كان ، ولذا فجر دحلان وانفجر ( نحن سنكون معارضة ) شديدة وقوية ( هكذا ) ، وإذا فكر أي شخص مهما علا شأنه ، في أن يقترب من وظيفة أي مواطن (سيكون قد ارتكب الخطأ الأخير في حياته ) .
إنها الحرب يا أبا العبد ، إنها الأوامر بالانقلاب عليك ... وهل لذي إنصاف أن يدعي أنك قد خططت للانقلاب كما ورد في حديثي يوم أمس ؟ ما معنى هذا الوعيد الناري الذي يتوجه به دحلان لأي شخص مهما علا شأنه ، أي أنت ، إن اقتربت من ( وظيفة ) أي مواطن ...سواء بالترقين أو الطرد أو الخفض ...فإنه ( يكون قد ارتكب الخطأ الأخير في حياته ) ، وأفهم أن دحلان سيقتله ، فالموتى هم الذين لا يخطئون ، وأما الأحياء فهم خطـَّـاؤون ، ثم ، ألا يحق لرئيس الوزراء أن يقر الواقع الوظيفي أو يعدله بالحذف أو الإضافة ، فيجزي الذي أحسن بالحسنى ، والذي أساءوا فأفسدوا أو تجسسوا أو قصروا فبما فعلوا ؟ ثم إن الجسم الوظيفي متضخم متضخم ، وليس هناك من رجل مناسب في مكانه المناسب إلا القليل ، وهذا ما صرح به رئيس هيئة الرقابة السيد جرار القدوة ، وما تضمنته ملفات الفساد التي أعلن عنها السيد النائب العام أحمد المغني ، وهو السوس الذي نخر عظام فتح ، ولكن حُـق لدحلان أن يتوعد فهو الذي أضحى ( مليونيراً ) وذا نفوذ عريض في بضع سنين ، وهو الأب الروحي لقانون ' السلامة الأمنية ' الذي جعل تسعين في المائة من الوظائف في يد فتح وأنصارها ومتزلفيها ومنافقيها ، ومن يهزون لها الذيول ، وأما العشرة الباقية لمن تساوق مع فتح ووضع لجاماً من الصخر في فمه ، و أولئك هم الذين تبوءوا الوظائف قبل مجيء ( الفاتحين ) ... إن لم يكن هذا هو الانقلاب أو المبشرات به فماذا يكون ؟!
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد يا أبا العبد ، فإن رأس السلطة ، والذي حرص على إجراء الانتخابات وتحدَّى ، أصر ، وقبل بنتائجها سرعان ما أفاق من الصدمة التي لم يكن متوقعها ، فنجاحك سجل أعظم فشل مخابراتي لأجهزته ، فضلاً عن استطلاعات الرأي وفشلها الذريع ، ووجد الرجل الفأس وقد وقعت في الرأس !! إذن فلابد من تحنيطك ، ولا يملك ذيــَّاك الحنوط إلا ( الرئيس ) ، فأدلى دلوه ( ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر ) ، فوجه كلمة لشعبك أهم ما جاء فيها تذكيرك بأنه الرئيس المنتخب على برنامجه الذي يقوم على نهج المفاوضات ، والحل السلمي للصراع مع (إسرائيل) وخارطة الطريق ، واتفاقيات أوسلو، وقرارات القمم العربية ...مما يشكل دعوة صريحة لك لقبول كل ذلك ؛ لتقبلك الأسرة الدولية ، ومن ثم مسحك من الذاكرة الفلسطينية والتاريخ الفلسطيني . بعد أن تصبح ذلك التابع الذي جاء متأخراً جداً عن رواد هذا النهج ، وتصدق فيك مقولة دحلان (إنك تنازلت لأجل مصالحك)، وتناسى عباس أنك أيضا منتخب ، وعلى برنامجك المقاوم ، والذي يرفض كل ذلك ، ومن ذات الشعب ، وأن بعضًا ممن انتخبك هم من شرفاء فتح ، الذين رفضوا ويرفضون نهج عباس - دحلان الذي أودى بعهد الشهداء إلى قعر أوسلو ، ووعورة طريق الخارطة ، أو خارطة الطريق ، كما تناسى أن انتخابك جاء بعد انتخابه ، وهذا – في أبسط معانيه – أن برنامجك قد جـَبَّ برنامجه ونسخه ، ومحاه من ذاكرة أغلب شعبنا ، هذا داخل الوطن ، فما بالك بخارجه ، الذي تشير كل المؤشرات ألا شيء لعباس – دحلان ومشروعهما إلا بعض موظفي السفارات ، أو القطط السِّمان الذين أثـرَوا بالمال الفلسطيني العام ، وصدقات المحسنين التي سرقوها ، وليس هذا بالسر ، بل لها ( طناطن ) و ( أجراس ) ... وكان لعباس أن يسلك غير هذا السبيل ، ويظل ذلك الرجل الديموقراطي القائد ، والذي رضي بما رضي به شعبه ... لكن للأسف ، فإنه لم يفطن لذلك ، بل كرر دعوته مرة تلو مرة ، حتى صرح بها في خطابه الشهير أما المجلس التشريعي، ثم وكمن يجري ( ممحوطاً) بألف عصا أخذ في اتخاذ إجراءات سيكون لي الحديث عنها يوم غد إن عشت ( أنا ) لغد بمشيئة الله...


