بقلم: د. فهمي هويدي
هاتان شهادتان تديناننا أمام محكمة التاريخ. فقد نشرت صحيفة «الشروق» فى عدد 5 سبتمبر الحالي الخبر التالي: قامت سلطات مطار القاهرة بترحيل كاتب ومستشار بيئي أمريكي الجنسية اسمه ترافيس راندال (27 عاما) بعد منعه من دخول البلاد، وقال مصدر أمنى إن الرجل يمارس نشاطا سياسيا محظورا من خلال مدونته المسماة «مكان ترافيس»، حيث دأب على انتقاد قرار السلطات المصرية بإغلاق معبر رفح. وأضاف المصدر أن الرجل سبق له أن اشترك في مظاهرة لمناصرة الشعب الفلسطيني، وتم القبض عليه آنذاك، حيث احتجز لمدة 12 ساعة بمقر مباحث أمن الدولة، إلى أن جاء مندوب من السفارة الأمريكية لاستلامه.
وكان ترافيس راندال الذي يقيم بالقاهرة منذ سنتين ونصف السنة ككاتب حر، قد عاد إلى القاهرة يوم الخميس الماضي قادما من ولاية كلورادو بالولايات المتحدة، وتم توقيفه في المطار وإبلاغه بأن اسمه مدرج على قائمة الممنوعين من دخول البلاد. وبعد احتجازه في زنزانة لمدة 12 ساعة تم اصطحابه بعد ذلك إلى رحلة جوية متجهة إلى لندن.
في ختام الخبر المنشور إشارة إلى أنه قد سبق اعتقال ناشط ألماني مصري كان قد شارك في مظاهرة مناصرة الشعب الفلسطيني التي سبقت الإشارة إليها، حيث أمضى أربعة أيام في الحبس الانفرادي قبل إطلاق سراحه. (لاحظ أن الأول لأنه أمريكي خالص أمضى 12 ساعة فقط، أما المواطن الألماني المصرى (المختلط) فقد أمضى أربعة أيام، ولا تسأل عن المدة التي يقضيها من كان في مثل هذه الحالة مصريا خالصا!).
فى اليوم التالي (6/9) نشرت صحيفة «الشروق» خبرا على خمسة أعمدة كان عنوانه كالتالى: البحث عن مدرس بالشرقية جمع تبرعات للفلسطينيين واختفى، تحدث الخبر عن مدرس هارب بأسرته بإحدى قرى الزقازيق بالشرقية، وذلك لاشتراكه ضمن حملة الإغاثة التي قامت بتقديم المساعدات للشعب الفلسطيني ومحاولة الوصول للمنافذ الحدودية. وقد تم التعرف عليه من خلال كشف يحمل أسماء عدد من المواطنين من عدة محافظات شاركوا في حملة الإغاثة الإنسانية وجمع التبرعات للفلسطينيين، وكانت سلطات الأمن بالشرقية قد داهمت منزل المدرس محمد أحمد فودة (37 عاما) في 24 أغسطس الماضي دون أن يجدوه أو أيا من أفراد أسرته بالمنزل. وتبين أن الأسرة كلها تركت المنزل قبيل وصول القوة لهم ولم تتوصل إليهم جهات الأمن حتى الآن.
من وجهة النظر الأمنية نحن بصدد «جريمتين» إذن. في الأولى جريمة مواطن أمريكي اتهم بالتضامن مع الفلسطينيين في غزة وانتقد حصارهم، ومن ثم استحق الطرد من مصر ومنعه من العودة إليها. وفي الثانية اتهم مواطن مصري بجمع التبرعات لإغاثة أهل القطاع. فاستحق أن يلاحق أمنيا، واضطر إلى الهرب والاختفاء هو وأسرته. الأمر الذى حوله واحدا من «المطاريد».
لا يكاد المرء يصدق عينيه وهو يقرأ هذا الكلام. فنحن نتحدث دائما عن إقناع الرأي العام العالمي بعدالة قضيتنا. لكن حين يتضامن معنا شاب أمريكي يكون هذا جزاءه، ومن المفارقات أنه بوسعه أن يعبر عن تضامنه مع الفلسطينيين بالتظاهر في الولايات المتحدة. ولكنه يعاقب إن فعلها في بلادنا. وبدلا من أن نشد على يده ونتمنى أن يكثر الله من أمثاله، فإننا طردناه من المطار وحرمناه من الدخول إلى مصر. أما ذلك المدرس الذي ظن أنه يقوم بعمل نبيل يلبي به نداء الواجب فإنه لم يتوقع أن نكافئه أو نعتبره مدرسا نموذجيا، لكنه لم يخطر على باله أن يطارد ويحرم، ويجد نفسه مضطرا للهروب هو وأسرته والاختفاء عن الأنظار.
لسنا بصدد خبرين صحفيين بقدر ما أننا بإزاء فضيحتين من العيار الثقيل تلطخان سمعة البلد، كما تكشفان عن المزالق المشينة التي تسوقنا إليها عقلية المطرقة، حين تلغى السياسة والعقل الرشيد، ولا تفهم سوى لغة العصا الغليظة التي تؤدب وتسحق الجميع، بمن فيهم الشرفاء والأخيار، بمعايير اللحظة الراهنة فإن أمثال هذين الرجلين يستحقان أن يودعا قفص الاتهام، أما بمعيار التاريخ فإن الذين يلاحقونهم لن يكون لهم مكان إلا في قوائمه السوداء، وإن غدا لناظره قريب.
